عندما يحضر السلاح

10 فبراير 2017
+ الخط -
يظل باب العلاقات المدنية العسكرية بابا متجدّدا ترتبط فيه معان ودلالات كثيرة، حينما يتدخل السلاح في شأن السياسة، ويهيمن على ساحات الحياة المدنية، ويصادر كل ما يتعلق بالمجال العام، مُؤمِّما إياه لمصلحته في سيطرة واسعة على الثروة والسلطة. ويعد هذا الباب في شأن السياسة من الأبواب شديدة التعقيد، لأنها ترتبط بمؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية، وبكل هؤلاء الذين يحتكرون القوة ويستخدمونها، إنها معادلة شديدة الخطورة، حينما يحضر السلاح في غير مكانه، وفي غير أوانه.
يأتي هذا الأمر حينما ادّعى العسكر، منذ فترات الاستقلال، أنهم بنوا الدول، وأن العبء الأكبر في بنائها قام على أكتافهم، على الرغم من أن هذه الجيوش، في واقع الأمر، نشأت في بعض الأحيان نشأة مشوهة، وارتبطت بأحوال استعمارية أثّرت على مهماتها، كما حدّدت، بشكل أو بآخر، مساحات تبعيتها في أدوار يُسمح لها بها، وأدوار أخرى تكفّ يدها عنها، ولكن ادّعاء بعض الجيوش أنها بنت الدول، كما بالغت في أنها من أقامت هذه الدول "المستقلة" أسسا ومؤسسات، كان مبرّرا لأصحاب القوة أن يتصدّروا للحكم أو يتحكموا فيه من وراء ستار، وبدت بعض هذه الجيوش ترسم لنفسها أدوارا خاصة، مدعية أنها تحمي الدولة وتحرس الشرعية.
مكّنت هذه الدعوى لهذه القوة المسلحة أن تستمر في سيطرتها، وأن تحافظ على هيمنتها، وكأن هذه المؤسسة التي من المفترض أن تكون واحدةً من مؤسسات هذه الدولة صارت، في واقع الأمر، معنى ومبنى، فيما يتعلق بالدولة، مرتهنا عند أصحاب القوة، وتصوّر هؤلاء أنهم، بإسهامهم في بناء الدولة، صاروا هم، في الوقت نفسه، بهذا الاعتبار مالكيها، يتحكمون فيها ويسيطرون على مفاصلها، ويهيمنون على مساراتها، فإذا بدا أي أمر يهدّد هذه المعادلة برز السلاح حاضرا في الواجهة، ومؤثرا في حسم المعادلة لمصلحته وبلا تعقيب، وتظل الحالة المدنية في حال امتهان وارتهان بسماح هذه القوة المسلحة لمساحات حركتها وساحات تفاعلاتها.
ومن المؤسف حقا أن حضور السلاح ضمن هذه المعادلة قد كوّن، مع تراكم أدواره، ورغبته 
في مد سلطانه، أن يقيم تحالفاتٍ لتحقيق هذه المصالح، ويمدّ في أدواره، للقيام ببعض النشاط الاقتصادي، إن كان ذلك في الخفاء أو في العلن، فبدت مساحات القوة الكامنة خلف حضور السلاح تستولي على بعض مساحات الثروة، والتدخل في مساحات الاقتصاد و"البيزنس"، كان هذا الحضور يعني أن شروط السياسة وتفاعلاتها ومساحات الثروة والهيمنة على بعض مفاصلها صارت رهنا بمشيئة من يحمل السلاح، ويتحكّم في مفردات القوة والثروة على حد سواء. وقد برز ذلك كله في مشاهد عدة، وآونة متعدّدة، تحت دعوى دخول المؤسسة العسكرية في أنشطة اقتصادية، لأغراض تتعلق بالاكتفاء الذاتي لهذه المؤسسة، ثم تطور الأمر تحت شعارات إسهام هذه المؤسسة في عمليات التنمية والبناء.
بدت هذه الأدوار تتمدّد وتتعدّد، وبدت شروط هذه المعادلة مرهونةً بحضور السلاح إغراء وإغواء. ومن هنا، تمت مصادرات متتالية للحياة المدنية في إطار عمليات عسكرة خفية، وبدا المجال العام مساحاتٍ يخيم عليها ظلال السلاح، حتى وإن لم يستخدم، وتمت الهيمنة على مساحاتٍ للثروة، لا بأس بها، تشكل مناطق تحكم واحتكار، ومن المؤسف حقا أن يكون ذلك بدعاوى شتى من حماية الأمن القومي، والتأكيد على أسرار هذه المؤسسة التي أحكمت إغلاق صندوقها، وتلون من داخله وخارجه بظلام دامس، وسواد معتم، لا يسمحان بالرؤية، ولا يمكن أن ينفتح، فصار ذلك الصندوق مضنونا به على غير أهله من قياداتٍ عسكريةٍ، تحكمت في ذلك الصندوق، بعدما انصرفت عن مهام عسكرية إلى أدوار تتعلق بالتحكّم في مساحات السياسة والشأن العام والثروة والإدارة واختلت المعادلة.
كان ذلك الاختلال محميا بالسلاح، وصارت القوة في غير ميدانها والتلويح باستخدامها في غير مقامها، وصار الشعار الذي يتداول في هذا المقام "من يجرؤ على الكلام؟"، وكأن هذه السيطرة والهيمنة بالسلاح، بشكل مباشر أو غير مباشر، شكلت حالة انقلابية مهيمنة لا يستطيع أهل السياسة فيها أن ينفكّوا من سقوفٍ وضعها أصحاب القوة وقيادات تسيطر على المؤسسة وقرارها، بل وكثير من سياساتها وعقيدتها.
وبدا ذلك من انقلابات سافرة أو هيمنة مستترة تبرز في المشهد بأشكال ظاهرة في مناسبات عدة، يحضر فيها السلاح بالتلويح والتصريح. وفي هذا السياق، بدت الأمور ضمن هذه الأحوال التي استندت إلى ذاكرة الاستقلال، وبناء الدولة والمؤسسة العسكرية، علامة للتحديث، ليشكل ذلك رصيدا من القوة يحتمي بالسلاح ويحميه السلاح، وتحول الأمر شعاراً ليس فقط "من يجرؤ على الكلام؟"، بل تحول إلى شعار يمكن صياغته بكلمات "ممنوع الاقتراب والتصوير"، وتحول الأمر، بعد ذلك، إلى ترجمة احتياجات الجيش، باعتبارها قضيةً مفروغاً منها تتمتع بالقداسة والسرية، إلى سيطرة حقيقية على الأرض، وصرنا حينما نتجول في أماكن عدة، حتى لو كانت تعج بالحياة المدنية، نجد أراضي مسوّرة، صار يكتب عليها "مِلك للقوات المسلحة".
كان أول من تضرّر، ضمن هذه المعادلة الكئيبة، بصندوقها الأسود المعتم، هو الحياة المدنية وعلاقات المجتمع، والحياة السياسية، إلا من أدوارٍ شكلانية. يأتي السلاح ليبرز بصورة أو بأخرى، ليعلن عن وجوده، ويعلن عن هيمنته ومساحات سلطانه في حيز السلطة وحيازات الثروة.
هل يمكن، في ظل هذا الحضور الطاغي للسلاح، أن تكون هناك مساحات للنشاط السياسي أو
لتفعيل عملية ديمقراطية حقيقية؟ كان هذا هو السؤال، وكان الجواب دائما يأتي تحت قعقعة السلاح تلويحا وتصريحا، وتحت دعاوى عدة، منها الحفاظ على الدولة، وحماية الشرعية، وإعمال لجوهر الأمن القومي. صارت كل هذه الأمور شفرات في صندوق العسكر، لا يقدر على فكها إلا العسكر وقياداتهم التي صارت تتحكّم في المعادلة.
وبدا الأمر في تشابكاته يؤكد على إمكانية واحتمالية تقوم على رغبة هؤلاء في أن يظلوا يتحكمون من وراء ستار، أو يتخذون القرار، متصدرين المشهد عيانا بيانا، لا يكلفهم ذلك إلا أن يحتفظ هؤلاء بمجال هيمنتهم، مع تصدير أحدهم أو بعضهم، وقد خلع أو خلعوا البزّة العسكرية، وتزيوا بألبسة مدنية. وكذا بدا الأمر في السيطرة، ومحاولة الوجود والهيمنة في مفاصل الإدارة وأجهزة الدولة الإدارية، وصار وجود من يمثل العسكر والمؤسسات الأمنية الأخرى المساندة أمرا مفروغا منه في إطار شخصياتٍ تقاعدت، ولكنها تمارس سلطانها في مفاصل الأجهزة البيروقراطية والإدارية والمدنية. كان القرار، في واقع الأمر، ملكا للسلاح، حتى لو اتخذ أشكالا مدنيةً أقرب ما تكون إلى شخوصٍ، تتحرّك على المسرح. ولكن هناك من يتحكم في خيوطها وحركتها وسياساتها ومساراتها.
وحينما يحدث انقلاب فج، وقد قرّر العسكر أن يتصدّروا المشهد بأنفسهم، لا يجيد هؤلاء إلا أن يحوّلوا المجتمع بمؤسساته إلى حالة "عسكرة" في العلاقات والسياسات والأوامر والقرارات، فمن أبى ليس له إلا القوة الباطشة، أو السلاح القاتل، إنها معادلة حضور السلاح، معادلة تصادر كل ما يتعلق بالحياة المدنية، ويتحوّل المجتمع، بمؤسساته وعلاقاته، إلى ثكنات عسكرية، ويمارس هؤلاء بعض الطقوس المدنية الزائفة التي لا تؤثر ولا تقدّم ولا تؤخر. وتبدو الأمور، في أحسن الأحوال، في مؤسسات الدولة، أن تتحول تلك المؤسسات إلى "مؤسسات كأن". وفي حال انقلابها، تتحول إلى حالٍ من الفاشية العسكرية والدولة البوليسية، فتتحول المؤسسات كافة إلى أن تكون تحت أمرتها من مؤسسات الإدارة والتنفيذ والتشريع والقانون والتقاضي، بل ومؤسسات البرلمان ومؤسسات المحاسبة والمساءلة والمراقبة، كل ذلك يأتمر بأمرهم، وينفذ رغباتهم، فتتحول تلك المؤسسات إلى "مؤسسات الضد"، فتضيع الدولة، وتجفف السياسة، أو تصير مذعورة أو مقبورة، محتالة أو منافقة، وتتمدّد السجون والمعتقلات، وتمارس الفاشية بكل أشكالها بمظاهر غير معقولة، ولا مقبولة، وتقام "دولة السادة والعبيد"، دولة الخوف والاستبداد، فمن سار في ركبهم أمّنوه ومنحوه، ومن احتج أو حتى أبدى امتعاضا، لا يتوّرعون إن قتلوه أو اعتقلوه أو طاردوه. هذا هو الأمر، حينما يحضر السلاح، فلا تسأل عن السياسة، ولا تسأل عن الحياة المدنية، ولا تسأل عن القانون أو العدالة. ولكن فقط قانون السلاح هو الفاعل، إغواء وإغراء وغطرسة واغتصابا، وتأميما لكل ما يتعلق بالشأن العام والحالة المدنية!
ECE602C0-DB35-414B-9572-17B675CE3C2A
سيف الدين عبد الفتاح

كاتب وباحث مصري، مواليد 1954، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، من مؤلفاته "في النظرية السياسية من منظور إسلامي"، و" التجديد السياسي والواقع العربي المعاصر.. رؤية إسلامية".