"كوكاتوغرافيا" محمد المصري: صناعة علامة جغرافية

15 نوفمبر 2020
خارطة قيد التنفيذ، المصدر: محمد المصري
+ الخط -

لا بد أنّ هناك الكثير من الفن في عملية رسم الخرائط، مثلما أن ممارسة الأرشفة منذ البداية هي عمل إبداعي وفيه الكثير من الخيال، حيث يتطلب الأمران، رسم خريطة وتصميم الأرشيف وبنيته الوجودية، تصوّراً للماضي وكذلك للمستقبل. يأتي الفن المعاصر اليوم ليضيف الذاتية كعنصر في إعادة تصور وبناء الأرشيف ورسم الخرائط، وقد أصبح هذان مادتين أساسيتين في عمل الفنان المعاصر، لا سيما ابن الجغرافيا التي رزحت تحت الكولونيالية وتنتمي اليوم إلى ثقافة التابع.

الاستجواب الذي ينهمك به هؤلاء الفنانون اليوم، يتوجه إلى الاقتصاد وعلاقته الوطيدة بالتاريخ الاستعماري، والتأثيرات السوسيولوجية الماثلة بيننا وفينا، وفي هذا السياق يأتي عمل الفنان محمد المصري، الذي يعرض مجموعة جديدة بعنوان "كوكاتوغرافيا" في "غاليري أوبنتو" في القاهرة منذ الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري وحتى الخامس والعشرين منه.

يقول الفنان المصري في حديث إلى "العربي الجديد" إن "العنوان يتكوّن من مقطعين: الأول كوكاكولا؛ أشهر مشروب غازي في العالم، وكارتوغرافيا؛ علم رسم الخرائط، والفكرة في استخدام نفس شكل علامة كوكاكولا، بحيث إن العقل غير الواعي الذي اعتاد على شكل المنتج ودعايته يتواصل مع عنوان المعرض مباشرة. أردت أن أوصل أفكاراً كثيرة في أقل عدد من الكلمات".

من المعرض
من المعرض

ابتكر الفنان مصطلحاً يختصر به أثر الشركات متعددة الجنسيات في الجغرافيا المعاصرة، ومسألة الملكية الفكرية، والعلامة التجارية، والاستنساخ، كما أنتج الأعمال "بالاستعانة بالعاملين في المجال الصناعي الشعبي في مصر الذي لا يعترف بجميع أنواع حقوق الملكية الفكرية، ويقوم بإنتاج وإعادة إنتاج العلامات التجارية العالمية، فالمعرض يقوم بإنتاج مصطلحات جديدة، ويستخدم مصطلحات معتادة، ويقوم بإسقاطات تعتمد على العلامات التجارية العالمية وينتقد المنظومة الرأسمالية".

ولكن ما الذي يفعله المصري بالضبط؟ يجمع الفنان الخرائط الأصلية من فترات مختلفة، ثم يقوم بإعادة إنتاجها، وهذه العملية تتضمن إضافة رموز ونصوص جديدة بعضها مجهول وبعضها معروف للمتلقي، يقول: "بخلاف عمليات الترميز المعتادة برسم مفتاح قراءة للرموز مصاحب للخريطة، أقوم بفعل (التطريز الصناعي) بالخيوط الملونة عبر عملية صناعية متعددة المراحل على النص الأصلي للخريطة، وتتحول عملية إعادة الترميز إلى عملية مادية دائمة لا يمكن التراجع عنها؛ إذ تترك أثراً ثابتاً على المتن الأصلي، يترك أثراً بالضرورة إذا حاولت تغييره أو تعديله".

يذكر المصري أنَّ "المشروع يعتمد على استخدام التقنيات الصناعية في إنتاج العمل الفني، وهو يستخدم التقنيات الموجودة بطرق مختلقة، منها التطريز الصناعي الذي يستخدم تطريز العلامات على الملابس مثلاً. أنا آخذ التصميمات الخاصة بي وأحاول تطريزها على خامة غير معتادة وهي الورق، وهذه التصميمات تتحوّل إلى برامج تطريز تقرأها الماكنة، وهذا يتطلّب تغيير طبيعة الورق ومعالجته كيميائياً وتقويته".

من المعرض
من المعرض

فرضية الفنان أن الجغرافيا ثابتة وكل شيء آخر يتغير، السياسة والنفوذ والحدود، لكن التضاريس هي ذاتها، وينظر إلى الخريطة التي تنتجها مؤسسات معينة لأهداف مختلفة، بوصفها وثيقة يأخذها ويمارس عليها الفعل. وهذا هو فعل الترميز والذي يمكن أن يكون فعلاً عنيفاً لن يزول أثره، وسوف يغير في طبيعة وشكل الخريطة وتفاصيلها.

بخصوص العمل مع الورش الشعبية لإنجاز أعمال "كوكاتوغرافيا"، فهو نابع من ظاهرة سرقة برامج التصميم في مصر، "لا أحد أعرفه محترفاً أو غير محترف يعمل ببرامج أصلية، جميع البرامج مسروقة... وعلى أساس ذلك بدأت البحث عن نسخة متاحة من البرنامج الخاص بالتصميمات والتطريز". 

لكن البرنامج المطلوب كان محمياً ومن الصعب العثور على نسخة مسروقة منه، فاضطر المصري إلى العمل مع أحد "عمال الأفلام"، وهم مجموعة من العاملين في مجال التطريز الشعبي في مصر يستخدمون نسخاً قديمة من البرنامج تم الحصول عليها بشكل غير شرعي وهم الحلقة الوسيط بين مصانع الملابس الشعبية ومصانع تطريز الملابس الشعبية، وهذه سوق ضخمة جداً فى مصر لا وجود فيها لحقوق الملكية الفكرية، وفيها يمكن إنتاج أي تصميم لأي شركة في العالم وتطريز العلامات التجارية الأصلية بدقة كبيرة.

 

الأرشيف
التحديثات الحية
المساهمون