دينامية الاحتجاج في سياق عربي

25 نوفمبر 2019
+ الخط -
يتبيّن الدّارس من متابعة تجلّيات المشهد الاحتجاجي في المنطقة العربية سنتي 2011 و2019 أنّ الحالة الاحتجاجية في سياق عربي حالة دينامية، نامية، متجدّدة، لا تركن إلى الجمود والتكرار. بل تنبني على التركيم، والتطوير، والتجاوز. وذلك ظاهرٌ في مستوى خلفياتها، واستراتيجياتها، وأهدافها، فالاحتجاج عن الاحتجاج يُفرَق، والربيع عن الربيع يمتاز ويتباين، ويختص بعلامات فارقة. والتاريخ هنا لا يُعيد نفسه، بل يكشف صيرورة الوعي الجمعي والفعل الاحتجاجي داخل الاجتماع العربي.
في مستوى الخلفيات، تبدو الأسباب الدّافعة إلى الاحتجاج سنة 2019 شبيهةً إلى حدّ ما بتلك التي دفعت النّاس إلى التظاهر والنزول إلى الشوارع سنة 2011، فتدهور المقدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع الأسعار، وكثرة الجباية، وانتشار الفساد، والفقر، والبطالة، والشعور بالتهميش، وتلاشي الطبقة الوسطى، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة في مستوى الإحاطة بضعاف الحال، وفي إحداث مواطن شغل جديدة، وتقصيرها في تعديل الأسعار، ومكافحة الاحتكار، وضمان توزيع عادل للثروة، واستياء النّاس من البيروقراطية، ومن تجاوزات الأجهزة السلطوية والبوليسية، كلّ ذلك مثّل عوامل قادحة للفعل الاحتجاجي الجمعي ضدّ النّظام الحاكم. ولكنّ الملاحظ سنة 2019 أنّ هناك عاملا نوعيا آخر حفّز على الاحتجاج وهو ضيق النّاس بالرّابطة الحزبية التقليدية، وبالعصبية الطائفية، وبالمرجعيّات الدينية النمطية. وهو تحوّل نوعي معتبر مقارنة بحراك سنة 2011. فَوقتئذٍ كان هناك خزّان حزبي معارض للدولة 
الشمولية، أعني وجود أحزاب إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وقومية، ذات سوابق نضالية، اضطلعت بوظيفة النقد الجذري للنظام الاستبدادي، واكتسبت صدقية لدى النّاس، وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في صياغة المشهد الاحتجاجي، وتحشيد النّاس للثورة على النّظام السّائد. وكان لخطاب شخصيّات سياسيّة ودينيّة وازنة، ذات قيمة رمزيّة واعتبارية (في تونس، ومصر، واليمن...)، تأثير في الجموع، وكانت لتلك الشخصيات قدرة على توجيه الأتباع والمريدين على كيفٍ ما. لكن ما حصل سنة 2019 خلاف ذلك، فنحن إزاء حراك احتجاجي، يرفض الوصاية الحزبيّة، والتبعيّة الطائفية، والارتهان للرابطة العِرقية أو القبليّة أو الدينية. بل يعتبر نفسه ثورة على الطبقة السياسية التقليدية (الحاكمة والمعارضة)، وينأى عن المنظومات الجمعوية العصبية القديمة بأشكالها المختلفة.
نشهد سنة 2019 ظهور جيل جديد من المحتجّين، يتحلّل من الأطر التنظيمية التقليدية، ويأبى الخضوع لقائد مُعيّن أو لجماعة محدّدة، فالمحتجّ يُعبّر عن وجوده باعتباره مواطنا حُرّا، يملك قراره، وباعتباره فاعلا مدنيّا، سيّد نفسه، يمارس حقّه في التفكير، والتعبير، والاحتجاج، وحقّه في أن يقول: "لا للمنظومة القائمة". وجلّى ذلك قول متظاهر لبناني على شاشة التلفزيون: "نحن لسنا جيل أحزاب، نحن لسنا جيل طوائف، نحن قادة ولسنا أتباعا،We are leaders ، نحن شعب مثقّف يُمكن أن نحكم حالْنا بحالْنا". وفي ذلك دلالة على صعود موجة وعي مواطني، مسؤول، وعي جمعي، لا يثق في النّخب السّائدة، ولا بالوجوه القديمة لفسادها ولسوء إدارتها البلد. ويطمح الجيل الجديد من المحتجّين إلى نقض الموجود، والتأسيس للمنشود، وله استراتيجيّات مخصوصة، وأهداف معلومة.
من الناحية الاستراتيجية، عوّل المحتجّون في السّودان، والجزائر، ولبنان، والعراق، على وحدة 
الصّف الثوري وتماسكه لتحقيق التغيير المنشود، فاستراتيجية رصّ الصّفوف من أجل الصّالح العام، والاجتماع تحت راية الوطن، ورفض دعاوى الزعامتيّة، والحزبوية، والطائفية، والتمثيلية المجتزأة، والبحث بدل ذلك عن عوامل التآلف، ودرء أسباب الفُرقة والفتنة، ساهم ذلك كله في تشكّل وحدة احتجاجية شعبيّة صمّاء، صَعُب على النّظام الحاكم اختراقها. وتحوّلت تلك الوحدة على التدريج إلى كتلة تاريخية ضاغطة على الطبقة السياسية التقليدية (الحاكمة والمعارضة)، ودفعتها إلى التكيّف مع الحراك الاحتجاجي، إمّا بتأييده أو الاستجابة لمطالبه بصفة مرحلية/ تدريجية. واعتمد المحتجّون في هذا السياق استراتيجية "خُذ وطالِب"، فكان يتمّ تحصيل مكسب ما والمرور مباشرة لتحقيق المطلب الذي يليه. ففي الجزائر، انتقل المحتجّون من المطالبة بعدم التمديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى المطالبة بتنحيته، فالدعوة إلى محاكمة رموز الفساد المحيطين به، والمطالبة بتشكيل هيئة مستقلّة للانتخابات، وتأمين تنافس سلمي ديمقراطي على السلطة. وفي السودان، أدّى ضغط الكتلة الاحتجاجية إلى الانتقال من مطلب "تسقط بس" إلى المطالبة بمحاكمة الفاسدين وأعوان الدكتاتورية، فالتراقي إلى تقاسم السلطة بين مدنيين وعسكريين. ودفع الضغط الاحتجاجي في لبنان أصحاب القرار إلى التراجع عن الترفيع في الضرائب، وأدّى إلى استقالة حكومة سعد الحريري، وحال دون تمرير قانون عفو عام يؤمّن إفلات سياسيين مُفسدين من العقاب. ولم يقف المحتجّون عند ذلك، بل طالبوا بمحاكمة ناهبي المال العام، ورابطوا بالقرب من منازلهم، وتشبثوا بمطلب حكومة تكنوقراط. وفي العراق، أدّى الضغط الاحتجاجي إلى اصطفاف مراجع دينية وقادة أحزاب سياسية إلى جانب المحتجّين، ودفع الحكومة إلى الإعلان عن حزمة إصلاحاتٍ، وتلويحها بإمكان الاستقالة وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها. ومن ثمّة، مكّنت وحدة الصف الثوري من تحقيق مكاسب معتبرة، وكرّست امتداد إرادة الشعب في مقابل انحسار نفوذ الطبقة السياسية، السلطوية التقليدية. وامتاز حراك 2019 في هذا الخصوص عن الموجة الاحتجاجية سنة 2011 التي شهدت اختراق خلايا النظام السلطوي الصفَّ الثوري في 
سورية، واليمن، ومصر (2013)، وأدّى ذلك إلى بعثرة مشروع التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي في تلك البلدان. وفي سياق متّصل، استثمر المحتجّون الجُدد سنة 2019 في استراتيجية استقراب الجيش، ولزوم السلمية، ورفضوا الانزلاق إلى مهواة العنف، على الرغم مما عانوه من غطرسة الأجهزة الأمنية والمليشيات الموالية للنّظام، خصوصا في السودان والعراق. وساهم ذلك في حماية الممتلكات العامّة والخاصّة، وزاد من التفاف النّاس في الداخل والخارج حول الحراك الاحتجاجي الذي لم ينجح فوضويون في تشتيته، وتشويهه، وتقويضه، وذلك راجعٌ إلى تماسك كتلة المُحتجّين، وسلميّة حراكهم ونُبل أهدافهم.
وأهداف المحتجّين في بلاد العرب سنة 2019 واضحة، وليست خلافية، بل هي مدار إجماع معظم الجمهور الثائر، وتتعلّق أساسا بتغيير الطبقة السياسية القديمة المهيمنة على الشأن العام منذ سنوات بل منذ عقود، ووضع حدّ لمعضلة التوريث السياسي، وظاهرة المحاصصة الحزبيّة والطائفية، وتحسين الوضع المعيشي للنّاس، ومكافحة الفساد والإفلات من العقاب، وتأسيس دولة مدنية لا عسكرية، حقيقيّة لا شكليّة، تامّة الأركان، تضمن للمواطنين الكرامة، والحرّية، والعدالة، والرّفاه، وتكافؤ الفرص، وتسمح لهم باختيار ممثليهم وحكّامهم في كنف النزاهة والشفافية. وتكمن أهمّية هذه الأهداف في أنّها جامعة، وفي أنها تروم تحرير النّاس من وصاية الدولة الأحادية، الريعية، البوليسية، العسكرية، الشمولية. وكذا في أنها تنبني على مطلب التغيير الشامل، لا على التحويرات الجزئية، والتحسينات التسطيحية. فالمحتجّون يعتقدون أنّه لا يمكن مقاومة الفساد بوجوه بيروقراطية، قديمة، ضالعة في الفساد. كما يعتقدون أنّه لا يُمكن مكافحة الاستبداد بمجموعة من العساكر. ولا مكافحة التطييف والتعصّب بمجموعة من الدوغمائيين. لذلك هم يهدفون إلى التمكين للشباب وذوي الكفاءة والأيادي النظيفة، وتصعيدهم إلى مقام صانعي القرار. ويكرهون القيام بثورة مبتورة كما حصل في سورية واليمن، ويخشون من أن تلتفّ الثورة المضادّة والدولة العميقة على ثورتهم كما حصل نسبيّا في تونس، ويضعون ألف حسابٍ لإمكان استيلاء الجيش على الثورة كما حصل في مصر كلّيا وفي ليبيا جزئيّا. لذلك هم يصرّون على تحييد المؤسّسة العسكرية، وعلى تحقيق التغيير الشامل، وهم محقون في ذلك لا محالة.
ختاماً، يقول أبراهام لينكولن "بإمكانك أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكن ليس بإمكانك خداع كل الناس كل الوقت". مقولة مُعبّرة، لعلّ الحاكم العربي خصوصا، وصُنّاع القرار في المنطقة عموما، يفهمونها، ويدركون محاملها وأبعادها. وإن لم يفعلوا، فإنّ دينامية الاحتجاج باقية وتتمدّد إن شاء الشعب.
511AC165-C038-4A2F-8C46-0930BBB64EBE
أنور الجمعاوي

أستاذ وباحث جامعي تونسي، فاز بالجائزة العربيّة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة لتشجيع البحث العلمي (فئة الشباب) من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. له عدة أبحاث وكتب.