الاستعدادات الأخيرة لمعركة إدلب: روسيا تحرّض والمعارضة جاهزة

01 سبتمبر 2018
تظاهرات في إدلب أمس دعماً لمقاتلي المعارضة(زين الرفاعي/فرانس برس)
+ الخط -

تشير التطورات السياسية والمعطيات الميدانية حول الوضع في محافظة إدلب السورية، إلى أنها باتت على أعتاب معركة يهدد بها النظام وروسيا، وتقابلها فصائل المعارضة المسلحة بتعزيز حضورها العسكري، فيما لا تزال تركيا تسعى لمنع هذا الهجوم "الكارثي" على المحافظة، لتدل هذه المؤشرات على أن كل الأطراف دخلت في الاستعدادات الأخيرة للمعركة.
وواصلت موسكو تقديم تبريرات حول "حق" نظام بشار الأسد بطرد الإرهابيين من أراضيه، بالتوازي مع حشود إضافية عسكرية يدفع بها النظام إلى نقاط التماس مع المحافظة، مقابل تحضيرات فصائل المعارضة التي قامت بتفجير بعض الجسور التي تفصل مناطقها عن مناطق النظام تحسباً لهجوم وشيك، إضافة إلى الترتيبات التركية في المنطقة التي توحي بأن عملاً عسكرياً وشيكاً سيبدأ في المحافظة. وتسود أرجاء المحافظة حالة استنفار وترقب تحسباً لبدء هذه العملية من قبل قوات النظام وروسيا، في أي لحظة، فيما تتواصل الاستعدادات الميدانية العسكرية والطبية للعملية المرتقبة التي تعمل تركيا من خلال تواصلها المكثف مع الروس للحد من حجمها ومحاولة حصرها ضمن مناطق محددة في ريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي ومنطقة جسر الشغور غرب إدلب.

وفي دعم جديد لهذه المعركة، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مؤتمر صحافي أمس في موسكو، إن النظام السوري له كامل الحق في تعقب "الإرهابيين" وإخراجهم من إدلب، معلناً أن المحادثات مستمرة لإقامة ممرات إنسانية في المنطقة. وأضاف أن الاتصالات بين روسيا والولايات المتحدة بشأن سورية تجري لحظة بلحظة، وأن موسكو لا تعتزم إخفاء تحركاتها هناك. وأشار إلى أن روسيا تدعم الموقف الداعي إلى "توحيد جهود كافة الدول الساعية إلى إيجاد حل للأزمة السورية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254 والذي يفترض، قبل كل شيء، أن مساعدة المجتمع الدولي للسوريين تكمن في تهيئة ظروف ملائمة تمكّنهم من الاتفاق على كيفية العيش في بلادهم".

مقابل ذلك، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، أن بلاده تسعى لمنع الهجوم المحتمل على إدلب. وفي تصريح للصحافيين قبيل مشاركته في اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في فيينا، لفت جاووش أوغلو إلى أن "هناك قلقاً بشأن هجوم محتمل على إدلب، ونحن نبذل جهوداً لوقف هذا الهجوم، وقد زرنا موسكو مع وزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات كما تعلمون". وأردف: "نحن نتحدث كذلك مع بقية الأطراف المعنية، لأن مثل هذا الهجوم سيشكل كارثة بالنسبة إلى سورية وإدلب". وتابع: "يقطن إدلب حالياً 3.5 ملايين مدني، وهناك مجموعة من المتطرفين، ونحن نعرفهم منذ البداية، وقد جرى إرسالهم على وجه الخصوص من حلب والمناطق الأخرى". وشدد على ضرورة التعاون من أجل تحييد هؤلاء وفصلهم عن الفصائل الأخرى، فهذه الطريقة هي الأكثر فعالية وصحية، وعكس ذلك سيحدث مشاكل خطيرة على الصعيد الإنساني والأمني وبالنسبة إلى مستقبل سورية والحل السياسي.

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال الخميس إن بلاده تعمل مع روسيا وإيران من أجل منع وقوع ما وصفها بالكارثة في إدلب. تصريحات أردوغان جاءت قبل أيام من قمة ستجمعه بنظيريه الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، في طهران في السابع من الشهر المقبل، فيما تشير مصادر عدة إلى أن مفاوضات عسكرية واستخبارية على أعلى المستويات تجري بين أنقرة وموسكو في محاولة للتوصل إلى صيغة توافقية تمنع انهيار مسار أستانة بين البلدين، والتوصل إلى آلية مناسبة لمحاربة "هيئة تحرير الشام" (التي تشكل جبهة النصرة عمودها الفقري) من دون إلحاق الضرر بالمدنيين.

وفي سياق التحذيرات الدولية، قالت متحدثة باسم الحكومة الألمانية أمس، إن المستشارة أنجيلا ميركل تتوقع من الكرملين استخدام نفوذه لدى النظام السوري للحيلولة دون حدوث كارثة إنسانية في إدلب. وأضافت أنه يتوجب السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول بلا أي قيود إلى المدنيين المتضررين.


أما ميدانياً، فتؤكد المعارضة المسلحة استعدادها لمواجهة أي تحرك عسكري. وقال المتحدث باسم "الجبهة الوطنية للتحرير" النقيب ناجي أبو حذيفة، في حديث مع "العربي الجديد"، "إننا نستمع إلى التهديدات التي يطلقها النظام لشن عملية عسكرية على إدلب، ونحن جاهزون لمواجهته وعلى أعلى درجات الجاهزية والاستعداد الكامل، وهناك تنسيق بين كافة الفصائل الثورية، كما تم رفع الجاهزية على الجبهات، عبر العديد والعتاد، وزيادة الدفاعات الهندسية ووضع الخطط العسكرية، ورفع جهوزية المقاتلين عبر معسكرات نوعية للتصدي لأي هجوم". وأضاف أن "هناك تنسيقاً مع مختلف القوى المدنية والشعبية والمجالس المدنية، للتصدي للهجمة المحتملة عبر التعاون والتكامل، عبر تأمين مختلف العوامل لنجاح التصدي لهذه الهجمة المزمعة، وعدم السماح للنظام بتحقيق أي تقدّم والسيطرة على مناطق من المحافظة".

من جهته، قال عضو وفد المعارضة إلى مفاوضات أستانة، أيمن العاسمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن المعارضة أبلغت الروس بشكل رسمي أن المعركة في إدلب لن تكون نزهة وعليهم التمعّن جيداً في خياراتهم، مشيراً إلى أن فصائل المعارضة سترد بقوة على أي اعتداء من جانب قوات النظام على أي منطقة. ورأى العاسمي أن المعركة في إدلب ليست حتمية، لكن إن هاجم النظام بعض النقاط، فالقرار المتخذ من مجمل الفصائل هو الرد في كل النقاط.

وضمن استعدادات فصائل المعارضة التي يبدو أنها تتوقع بدء الهجوم عليها في أي لحظة، قامت بتفجير جسرين اثنين يربطان مناطق سيطرتها بمناطق سيطرة النظام في ريف حماة الشمالي، وهما جسر بيت راس وجسر الشريعة، اللذان يربطان مناطق سيطرة الفصائل مع قريتي الجيد والكريم الخاضعتين لسيطرة قوات النظام، وذلك كما يبدو، في إطار عمليات التحصين التي تقوم بها الفصائل لمواقعها في المنطقة، لصد أي هجوم محتمل لقوات النظام بعد التعزيزات العسكرية الكبيرة التي استقدمتها الأخيرة إلى حماة ومحيط إدلب واللاذقية.
وقالت مصادر محلية لـ"العربي الجديد" إن الفصائل حاولت تفجير جسر الحويز، إلا أن أهالي المنطقة منعوها، وطلبوا منها التريث إلى حين بدء المعركة فعلاً ومحاولة قوات النظام التقدّم من هذا الجسر، وسط حالة تذمر من الأهالي لتفجير الجسرين الآخرين، باعتبار ذلك ينهي أمل النازحين بالعودة إلى قراهم التي سيطرت عليها قوات النظام أخيراً.

وأكد مصدر من الدفاع المدني لـ"العربي الجديد" أن عناصره يقومون بكل التحضيرات اللازمة التي تمكّنهم من العمل في حال بدأت المعركة، وذلك بالتعاون مع كل الفعاليات المدنية الأخرى من مستشفيات ومجالس محلية، موضحاً أن الفعاليات المدنية أنهت استعداداتها لهذه المعركة وهي تتوقع حدوثها في أي لحظة.

ومن المؤشرات التي توحي بقرب بدء العملية العسكرية، سعي وسائل الإعلام التركية الرسمية وشبه الرسمية لاعتماد مراسلين ميدانيين في مناطق محددة على تخوم محافظة إدلب في كل من ريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي، ما يوحي بأن هناك أنباء عن قرب عملية عسكرية انطلاقاً من هاتين المنطقتين.

وأكد مصدر عسكري في محافظة إدلب أن بعض قادة فصائل المعارضة عقدوا اجتماعات في أنقرة مع المسؤولين الأتراك لبحث احتمالات هجوم النظام وطرق مواجهتها وسبل التعامل مع "هيئة تحرير الشام"، الذريعة التي تتخذها روسيا للهجوم على إدلب. وأضاف المصدر أن فصائل المعارضة أجرت كل استعداداتها للمعركة المقبلة، من إنشاء غرف عمليات مشتركة بين كل الفصائل وتدشيم المواقع وحفر الأنفاق، موضحاً أن استعدادات فصائل المعارضة لا تقتصر فقط على الاستعدادات الدفاعية وإنما تتعداها إلى خطط هجومية في حال سنحت الفرصة للتقدّم باتجاه مناطق النظام. وأضاف المصدر أن فصائل المعارضة قامت بعمليات تدريب وتأهيل لكل عناصرها من اجل رفع كفاءتها القتالية، موضحاً أن معركة النظام في إدلب لن تكون بالسهولة التي يتخيلها ويروّج لها. وأشار المصدر إلى أن تقدماً طفيفاً جرى حتى الآن في الاتصالات التي تجريها تركيا مع "هيئة تحرير الشام" لحل نفسها، إلا أنه لم يسفر عن نتائج ملموسة.

في المقابل، حشد النظام خلال الأسابيع الماضية عشرات آلاف العناصر من قواته وعناصر المليشيات الموالية له، وقدّرت مصادر أن قوات النظام وزعت أكثر من ألفي مدرعة على خطوط التماس الممتدة من جبال اللاذقية الشمالية إلى ريف إدلب الشرقي مروراً بسهل الغاب وريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي الشرقي. وعمدت قوات النظام إلى القيام بحملات تجنيد واسعة للشبان، في المناطق التي جرى التوصل فيها إلى "مصالحات"، وزجّهم في دورات تدريبية ومن ثم نقلهم إلى جبهات القتال، لمحاربة رفاقهم السابقين ضمن الفصائل.

شعبياً، خرجت يوم أمس الجمعة تظاهرات حاشدة في كل مناطق محافظة إدلب "نصرة للمرابطين على الجبهات" ولحثهم على الصمود، وذلك خلال حملة شعبية أعلنت عنها عشرات المجالس المحلية في المنطقة، إذ خرجت تظاهرات في أكثر من 35 قرية وبلدة ومدينة من مناطق محافظة إدلب. ويعيش في إدلب، الواقعة على الحدود التركية، أكثر من ثلاثة ملايين شخص، نصفهم تقريباً من المهجرين، بمن فيهم المسلحون والمدنيون الذين نقلوا بصورة جماعية من المناطق الأخرى التي سقطت في أيدي قوات النظام.