ليلة بيع الجنرال

29 فبراير 2016
+ الخط -
لا تخرج عملية بيع البشر عن دائرة الجريمة المقيتة، إلّا في حالتين، قد يكون فيها الفعل مرغوباً، والفاعلون غير مؤاخَذين، سواء بالتجريم في حالة البائع، أو التعاطف والشفقة في حالة المبيع. الأولى، بيع لاعبي كرة القدم، والتي تتمّ بهذه العبارات الصريحة، من غير أن تنتقص من قدرهم ووزنهم الذهبي وأسعارهم الخرافية. الحالة الثانية هي ما لم يكن في الحسبان، ونتج عن اتفاق غالبية الشعب المصري على أنّ رئيسهم الذي جاء على ظهر دبابة، داهساً تجربة ديمقراطية وليدة، لا يصلح للحكم. وتزداد هذه القناعة يوماً بعد يوم، بعد أن دُكّت البنية التحتية للدولة، كما أجهزة الحكم، ووصل الأمر إلى أن تحوّل الشعب الباسم الرضي والمتغلب على كل الظروف، منذ قهر الفرعون الأول، إلى شعبٍ عابس، حلّت دمعته مكان الضحكة الرنّانة، ينافح للإبقاء على صورته، بجهدٍ يُحسد عليه.
ومن ضمن أنواع هذا النضال، أن عرض أحد الناشطين الرئيس عبد الفتاح السيسي للبيع، بناءً على تجلّي الأخير في لحظات استعطافه التي زادت عن حدّها أخيراً. بلغت هذه الحالة ذروتها في الكلمة التي ألقاها الرئيس، في مؤتمر إطلاق مبادرة "مصر 2030"، ووصل فيها الجنرال إلى درجةٍ من الاستثارة، حتى ليظنّ معها ظان بأنّ الحشود المتراصة كانت ستدخل في نوبة بكاء جماعي، يشبه كثيراً ما أُجبر عليه شعب كوريا الشمالية أمام زعيمهم في وفاة والده.
ولأنّ القهر بالقهر يُذكر، فإنّ الرئيس الكوري الشمالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، كيم جونغ أون، ظهر مرّة في مجموعة صور، أصدرتها الوكالة الرسمية للأنباء الكورية الشمالية، محاطاً بنساءٍ من مختلف التخصصات. ما يجمع بين هذه الصور، في وحدة موضوعيةٍ وثيقة، أنّ النساء في جميعها يحطن بالزعيم، وهنّ يبكين بطريقة هستيرية.
نعرف أصنافاً أخرى من تباهي الرؤساء بحب شعوبهم، حتى لو كان على سبيل النفاق. ولكن، ما جاء به الرئيس الكوري الشمالي، القائد الملهم، محطّم قلوب النساء شيءٌ لا يخلو من ابتكار. ولكن، عند العودة إلى الوعي بما يفعله الطغاة، قد تفارق الغرابة وتتلاشى الدهشة.

معلوم أنّ كيم الابن، على الرغم من حداثة سنه، إلّا أنه يحكم بالحديد والنار، فكيف يمكن أن يقف شخص في كوريا على غير رغبته في إظهار الإعجاب إلى الإعلام، ومن ذا الذي يمتلك الجرأة ليقف متفرجاً؟ ليس هذا فحسب، وإنّما عليهم الدخول في حالة هستيرية من البكاء، لعدم التصديق أنّهم أمام الزعيم مباشرة. وبذا، يعكس الزعيم للعالم صورة زاهية أنّه مع شعبه، ولتواضعه، فإنّه يحصل على الحبّ والتبجيل في آنٍ واحد.
ولأنّه غالباً ما ينبت الديكتاتور من لا شيء، فإنّ ديكتاتور كوريا أحاطته المؤسسات المهمة في البلاد بهالةٍ من الغموض والسرية، لا يعرف أحد عمره بالضبط، ولم يكن يدري عنه أحد قبل وفاة والده، كما أنّه لم يكن معروفاً لوسائل الإعلام، إلّا في سبتمبر/ أيلول 2010، حيث ظهر للمرة الأولى، وهو يقف إلى جانب والده، مع شخصيات بارزة في النظام.
وها نحن نحطُّ مرة أخرى على أرض الكنانة، وفي الذاكرة التاريخية أنّه دخلها كافور عبداً ليُباع في سوق النخاسة، وبينما هو كذلك، سأل رفيقاً له عن أمنيته، وهما في الظرف نفسه وذلّ الرق، فقال رفيقه: أتمنى أن أباع إلى طباخٍ لآكل ما شئت متى شئت، وهي أمنية متواضعة، لكن صاحبها يراها منطقيةً ومتوافقة مع ظروفه. أما كافور فقال: أتمنى أن أملك هذه البلاد، متناسياً أنّه في سوقٍ من سيشتريه فيها سيشتري العصا معه، وهو لا يأبه إلّا بتطلعه لحلمه الذي ظنّ صاحبه أنّه بعيد المنال. ومرت السنون وبِيع كافور لقائد في الجيش، علمه أصول الجندية، حتى صار فارساً مغواراً، ثم قائداً عظيماً، ثم أصبح ملكاً وأحد حكام الدولة الإخشيدية، لينال ما تمنى. وعلى الرغم من التمني الذي شغل بال كافور، إلّا أنّه لم ينقلب على من قبله بحربٍ أو مؤامرة، وإنّما تولى الحكم في مصر، بعد وفاة محمد بن طغج الإخشيدي. وفي أول يوم تسلم فيه كافور الحكم، حدث زلزال في مصر. عندها مدحه المتنبي متملقاً: "فما زُلزلت مصر من خوفٍ يُراد بها، ولكن، رقصت من عدلكم طربا".
والفرق أنّه عندنا من الحكام ما لم يتمنَ، إنّما وضعتهم أقدار الثقة الخطأ في المكان الخطأ. كما أنّ الفرق يكمن في أنّ كافوراً امتلك حسن التدبير والحزم، ما مكّنه من الحفاظ على الدولة الإخشيدية. وعلى الرغم من قصر مدة حكمه، إلّا أنّ التاريخ يحفظ له من أنّ الفطاميين عندما عزموا على غزو مصر وصفوا كافوراً، فقالوا: "لن نستطيع فتح مصر قبل زوال الحجر الأسود". وبعد وفاته، حكم أبو الفوارس الإخشيدي عاماً واحداً قبل أن تسقط مصر في يد الفاطميين.
وإذا استغرب المرء من درجة نفاق المتنبي التي ألبست كافوراً عدالةً من أول يوم في حكمه، أو من عويل شعب كوريا المصطنع، فإنّه لا مجال للتعجب من خيبة أمل الجنرال في فتح قلب مصر الكبير لمناحة أبدية.


8615DCBC-E386-43F8-B75E-8FF0C27360A3
منى عبد الفتاح

كاتبة صحفية من السودان. حاصلة على الماجستير في العلوم السياسية. نالت دورات في الصحافة والإعلام من مراكز عربية وعالمية متخصصة. عملت في عدة صحف عربية. حائزة على جائزة الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2010، وجائزة العنقاء للمرأة المتميزة عام 2014.