على وقع رقائق الثلج

01 مارس 2017
+ الخط -
إذا صدقت تقارير متواترة عن "انقلاب سياسي" مرتقب في العراق، فإن حدسنا يقودنا إلى أن الأميركيين يريدون تطبيق نظرية "فوق واقعية" لتغيير الحال، وقد عثروا على بغيتهم لدى الخبير الأكاديمي، مارشال غانز، من جامعة هارفارد الذي أطلق نظرية "رقائق الثلج"، وروّجها موقع تشرف عليه دائرة الاتصال الخارجي في وزارة الخارجية الأميركية. وهي تقوم على أساس أن رقائق الثلج التي تهطل بفعل العواصف تأخذ كل واحدة منها شكلا فريدا ومختلفا عن شقيقاتها بالضرورة، لكنها تحقق نتيجةً واحدة، يقول غانز إن هذا يمكن تطبيقه على الجماعات أو الفرق أو التنظيمات التي نريد العمل معها في الفعاليات والنشاطات الاجتماعية والسياسية، حيث يمكن أن نصوغ لكل جماعةٍ أو فرقةٍ شكلا فريدا يميزها عن الجماعات والفرق الأخرى، ولكل منها قائدها الذي ينظم حركتها وفعالياتها، من دون أن يسمح لها بالاصطدام بشقيقاتها على نحو غير مخطط له. وفي النهاية، يلتقي القياديون عبر أنساق مختلفة، وصولا إلى تحقيق هدف مشترك.
في ضوء هذه النظرية، يراهن الأميركيون، في التغيير المرتقب وضمن استراتيجية الإيهام بمساعدة العراقيين على بناء الديمقراطية، على إنضاج صيغةٍ مطوّرة للمحاصصة الطائفية التي أُطلق عليها في الآونة الأخيرة، من باب التلطيف، تسمية "تمثيل المكونات"، تعطيها قدرا أكبر من الثبات والرسوخ، وتضمن توزيع "كعكة" الحكم بين اللاعبين الرئيسيين، وإضافة وجوه معارضة إلى الطاقم الحاكم، بعدما عملت على تلميعها، وسعت إلى تسويقها تحت لافتة "الدفاع عن مظلومية السنة"، ووضعتها في عهدة الجنرال، ديفيد بترايوس، مهندس خطة مواجهة المقاومة العراقية ضد الاحتلال، والأب الشرعي لمجالس "الصحوات" الموؤودة، والرئيس السابق للاستخبارات الأميركية، وأقامت لهم مؤتمرا في مونترو في سويسرا، لبلورة الخطة المرسومة أبدت حماسة له شخصيات عشائرية ومذهبية وحزبية، بعضها جاهر بمشاركته العلنية، باعتبارها خطوة نحو تغيير المآل، وبعضها عبّر عن رضا خفي، بانتظار نضوج "الطبخة" وجاهزيتها للأكل، وقد أتاح المؤتمر الفرصة لبعض "الوطنيين" الذين يعانون عطشا إلى السلطة، لأن يتسيّدوا المشهد السياسي المعارض من مقار إقامتهم في عواصم العالم، ويملؤوا جيوبهم بالمال، فيما أصاب آخرين بخيبة الأمل، ودفعهم إلى الانزواء والتوحد.
وكما فعلت واشنطن دائما، هذه المرة أيضا تتجاهل ما فعلته في العراق، وتحاول أن تخلي نفسها عن مسؤولية ما جرى ويجري، وأن تعكس حسن نية مفتعلا تجاه "السنة"، داعية إلى خطط تنقذهم من "مظلوميةٍ" يعانون منها، تندرج، في هذا الإطار، دعوة الجنرال ديمبسي، رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية المشتركة، حكومة بغداد إلى أن "تفي بالتزاماتها تجاه السنة، وأن تكون حكومة لجميع العراقيين"، وتصريح بترايوس لـ"واشنطن بوست" أن "مليشيات الحشد الشعبي متهمة بارتكاب جرائم حرب وقتل المدنيين السنة، وإن حكومة بغداد قد تكون عاجزة عن السيطرة على المليشيات المدعومة من إيران في المستقبل المنظور".
وقد يكون بترايوس هو الذي أوحى باستلهام نظرية "رقائق الثلج" في إنجاز "معادلة عراقية جديدة"، تنهي سياسة تهميش السنة، وقد تفوضه لقيادة فريق اللاعبين الأساسيين، وتنظيم حركتهم من أجل إنجاز هذه المهمة "التاريخية".
وفي كل الأحوال، فإن تغيير حكومة بغداد، أو تطعيمها بقيادات سنية "طازجة" هو صفحة من مخطط أكبر تريد إدارة ترامب تنفيذه لمواجهة نفوذ إيران المستشري، بعد أن أدرك الأميركيون أنهم أخطؤوا بتسليمها العراق على طبقٍ من ذهب، في حربٍ كلفتهم أكثر من ثلاثة ترليونات من الدولارات، وسوف تكون لهذا الخيار مفاعيله الإقليمية والدولية، لكنه لن يغير من قاعدة يعتمدها الأميركيون والإيرانيون معا في الداخل العراقي هي أن "العملية السياسية" الماثلة خط أحمر، لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه.
وثمة ما هو حريّ بأن نقوله إن هذا التطور في النظرة الأميركية إلى ما يجري في الإقليم الخزين بالنفط لا يخلو من فائدةٍ خاصةٍ، وهو يستغل عناصر واقعية، ويضعها في سياق جديد، وإن الساسة العراقيين، حكوميين ومعارضين معا، في غير وارد التأثير على ما يرسم أو يدبر، فقد فقدوا كل الأوراق التي كان يمكن أن يساوموا عليها، بعد أن استسلموا لأقدارهم، ورفعوا الرايات البيضاء، أما العراقيون الآخرون الذين ظلوا ينتظرون الفرج منذ أعوام، فمن حقهم أن يقلقوا، لأنهم لن يجدوا جديدا على وقع "رقائق الثلج"، بل قد يجدون ما هو أسوأ مما هم فيه، وسوف يقضون وقتا أطول في انتظار موسم ذوبان الجليد الذي يأتي ولا يأتي.
583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"