أزمة الإخوان.. حقيقة الأسباب وقراءة في المآلات

04 يونيو 2015
ليس مستبعداً أن تؤثر الأزمة الحالية في بنيان الجماعة
+ الخط -
لا يخفى على متابع ما يدور هذه الآونة داخل جماعة الإخوان المسلمين من خلافات.. ما هو ظاهر منها أقل بكثير مما هو مكتوم وخفي، ويحاول الكثيرون توصيف الحالة التي تمر بها الجماعة في تلك اللحظة التاريخية والمفصلية من عمرها، من حيث الأسباب واستشراق مآلات هذا الخلاف..

تنويه مهم قبل القراءة..

ما سيرد ذكره يندرج تحت بند الحقائق والمعلومات لا الخيال أو التكهنات؛ فكاتب هذا المقال قد اجتهد لتوصيف تلك الحالة والوقوف على أسبابها، بناء على رفع لواقع الأحداث قدر المستطاع، بناءً على ما هو "يقيني" من معلومات.

1- محنة الإخوان الحالية: فكر أزمة.. وأزمة فكر


لا يصح ونحن نتحدث عن تغييرات داخل جماعة بحجم الإخوان المسلمين في هذا التوقيت أن نتخطى السياق الزمني والظروف التي تمر بها الجماعة، فمن غير المستبعد أن أزمة كتلك التي تتعرض لها الجماعة قد تؤثر في بنيتها أو مسارها وخطها الفكري، ولا يجب أن ينفصل تناول واقع الجماعة عن المشهد المصري وتداخلاته مع المحيط الإقليمي والدولي، فما يفعله النظام القمعي الفاشي من نسف للمسار الديمقراطي وضربه عرض الحائط بدولة القانون وترسيخه لمبادئ قانون الغاب، وألا يغالي في دماء المصريين والزج بعشرات الآلاف من معارضيه داخل السجون والمعتقلات، والوصول بالمشهد السياسي لحالة الانسداد التام، بالإضافة إلى تواطؤ إقليمي ودولي واضح مع ذلك النظام، فتارة بالدعم المالي والسياسي للنظام وتارة بالسكوت عن جرائمه أو بالتغافل عنها.

وكنتيجة طبيعية و"متوقعة" لما سبقت الإشارة إليه من ضغوط وتحديات كان من الطبيعي أن تحدث هزات داخلية عنيفة داخل أي كيان كبير يتصدر لمواجهة هذه المنظومة الظالمة، خاصة أن الجماعة لم تكن مستعدة لمواجهه كالتي تمر بها، ولم يكن لديها رؤية استراتيجية لتلك المرحلة ضمن مشروعها أو خطتها.

2- حقيقة الخلاف الحالي وأسبابه الجوهرية

الخلاف الذي ظهر مؤخراً داخل جماعة الإخوان وتصاعدت وتيرته، والذي بدا للعامة وكأنه خلاف إداري أو تنازع شرعيات داخل الهيكل الهرمي لتنظيم الإخوان، لكن في حقيقة الأمر هناك بعد إضافي مختلف هذه المرة، وهو أن هذا الخلاف له جانب فكري، وهو ما جعل المواجهة هذه المرة أقوى من سابقاتها.

أولاً: الشق الإداري في هذا الخلاف.. تنازع شرعيات

فالخلاف الذي احتدم بين الفريقين من الناحية الإدارية (كتنازع شرعيات).. الفريق الأول الذي تصدرته مجموعة القيادات التي كانت تقود الجماعة حتى تاريخ فضّ ميدان رابعة العدوية، والفريق الثاني الذي تقوده مجموعة القيادات التي تصدرت عملية اتخاذ القرار بعد فض رابعة، حيث غيّب الظرف الأمني أغلب وجوه الطرف الأول، علماً بأنه تم انتخاب المجموعة الثانية من دوائر محدودة في الإخوان كـ "لجنة إدارية" معاونة لمكتب الإرشاد في عملية أقرب للترشيحات والتعيينات منها للعملية الانتخابية، وقد حصلت على تفويض بالقيام بمهام المكتب نظراً للظرف الأمني الذي غيّب أغلب قيادات الجماعة القديمة في الفترات السابقة، ثم قامت بالفعل بعد ذلك بممارسة مهام المكتب بالتوافق التام مع مكتب الإرشاد ذاته قبل تفجر تلك الأزمة.

ومناط الخلاف هنا هو أنه بالفعل لم يتم عمل انتخابات مكتب إرشاد جديدة، وبالتالي لم تنتف صفة أي من أعضاء مكتب الإرشاد القدامى، وحيث إنه من المستقر لائحياً وعرفاً داخل الإخوان أن أعلى جهة تنفيذية في تنظيم الإخوان هي مكتب الإرشاد.. فقد كانت تلك النقطة هي أحد أهم ما تمسك به الطرف الأول عند حدوث الخلاف، إذ حاولت المجموعة الجديدة المنتخبة كلجنة أن تتخطى أو تلغي شرعية المكتب حين حدث صدام مباشر بسبب الجانب الفكري الذي سنعرج عليه لاحقاً، ذلك برغم عملية الانسجام التي كانت موجودة بين الطرفين سابقاً..

وما ساعدها في ذلك هو سيطرتها على كافة المنافذ الإعلامية للجماعة خلال الفترة الأخيرة، وكما يعرف الجميع أنها عيّنت متحدثاً رسمياً باسمها سمته "محمد منتصر"، فضلاً عن تغييرها لكثير من المفاصل التنظيمية داخل مصر أيضاً.

ثانياً: الشق الفكري في هذا الخلاف

وأما عن البعد الفكري للخلاف.. فما يطرحه الفريق الثاني بوضوح هو وجوب تبني مشروع فكري بديل "ذي طبيعة جهادية" بكل ما يستلزمه ذلك من مراجعات أو تغييرات فكرية ومنهجية وحركية، فذلك الطرح ورغم تهوره وعدم واقعيته إلا أنه يلقى رواجاً وقبولاً لدى شرائح شبابية متحمسة.. وهو الأمر الذي يرى فيه الطرف الأول محاولة لتكرار تجارب مريرة عاشتها حركات إسلامية سابقاً كتجربة الجماعة الإسلامية في مصر في سبعينيات القرن الماضي، أو تجربة إخوان سورية ثمانينيات القرن الماضي، أو تجربة إسلاميي الجزائر في تسعينيات القرن ذاته.

قد نتفهم أن يكون ذلك الخطاب الجديد هو خطاب بعض القواعد أو القطاعات المنشغلة والمستهلكة بالفعاليات والمواجهات في الشارع، لكن من يفكر في وضع رؤى استراتيجية لجماعة بحجم الإخوان في مصر، خاصة أنها القاطرة المركزية للحركة الإسلامية في العالم، بما لذلك من انعكاسات على الوطن والمشهد الإقليمي والدولي فلا بد أن يخرج من هذه الحالة الشعورية.


3- عن الفريقين المختلفين.. والمتواجهين

الفريق الأول هو الفريق الذى كان مشاركاً بشكل مباشر في ما وصلت له الجماعة من انتكاسات كالوصول لحالة العزلة عن المجتمع، والتي يشعر بها أفراد الإخوان حينما ينظرون في دوائرهم وعلاقاتهم الاجتماعية ويقارنونها بالماضي، بالإضافة إلى مسؤوليته عن تحزيب الجماعة والدخول بها آتون صراع مباشر على السلطة وتجبيه كثير من قوى المجتمع ضدها، كما أنه لم يقدم أي رؤية واقعية لحل هذا الاشتباك حتى ولو على المسار الاستراتيجي، وبذلك فقد ترك هذا الفريق مساحة واسعة من الفراغ القيادي بالفعل.

الفريق الآخر الذي يقدم نفسه الآن كبديل للفريق القديم، بالرغم من أنه لم يحقق نجاحاً في الفترة السابقة، أو يقدم للقواعد رؤية واقعية واضحة للفترة القادمة إلا أنه يتبنى خطاباً يجعله يبدو متماشياً بشكل أكبر مع شرائح شباب الجماعة التي سيطر عليها الآن الشعور بالمظلومية الشديدة والرغبة في الانتقام.. ما جعل ذلك الفريق يصدر شعارات رنانة مثل "القصاص الكامل" أو "ثورة تجز الرؤوس" من دون أن يقدم للقواعد أو لشركاء الثورة والمجتمع مشروعاً واضح المعالم لما تحت هذه العناوين من تفاصيل، فضلاً عن أنه سقط في أخطاء قيادية مبكرة كان ينكرها على الطرف الأول كـ "التربيطات" و"الشللية" و"تقديم الثقات على الكفاءات".

4- محل نظام الانقلاب من هذا الشقاق.. فاعل أم مجرد مستفيد؟

ومن يظن أن النظام الذي يواجه الجماعة يقف بمعزل عن تلك الخلافات أو أنه يكتفي بدور المتفرج فهو واهم، فهناك العديد من الشواهد والأدلة على أدوار له في تأجيج الخلاف على الصعيد الإعلامي أو التدخل الأمني بهدف محاولة ترجيح كفة أحد الطرفين، بما يحقق مصلحته بشكل أكبر، ذلك من دون التشكيك في كليهما طبعاً، لكن ليس هنا مقام تفصيل ذلك.

5- خلاصات.. وملاحظات

تقديرنا أن البعد الفكري هو ما فجّر الأزمة وعمقها في ذلك الوقت تحديداً.. أما الخلاف حول الأشخاص أو النواحي الإدارية فلم يكن يستدعي الوصول لهذه المرحلة من الخلاف مطلقاً، وهنا تجد بعضهم يحاول تسطيح توصيف حالة الخلاف.. فيثير مثلاً أنه حول مصطلحات كـ "السلمية المبدعة" أو "العمليات النوعية" أو "تطوير الحراك الثوري" أو.. إلخ .. ذلك بالطبع على غير الحقيقة.

ومما هو واضح أن الجماعة الآن في لحظة مفاصلة فكرية تاريخية بغض النظر عن الأشخاص أو الأطراف المختلفة.. ولهذا نعتقد أيضاً أن مظاهر الخلاف قد تتزايد الفترة القادمة، وإن كنا لا نظن أن أحد طرفي الخلاف قادر على حسمه لصالحه بسهولة لأسباب عدة قد يأتي ذكرها في فرصة لاحقة.

ذلك مع العلم أن هناك كثيراً من قواعد الجماعة لم تصلها بعد حقيقة الخلاف، فما زال الخلاف في بداياته، وطبيعة تنظيم الإخوان الهرمية هي التي جعلته يتفجر عند قمة الهرم قبل قاعدته.


جدير بالذكر في إطار تحليل الحالة الجديدة أو ما نستطيع أن نسميه "القديم الجديد" أن قطاعاً واسعاً من طرف الخلاف الثاني كانوا من أدوات الطرف الأول وأذرعه داخل الجماعة في فترات سابقة، وكانوا من المتبنين لكافة سياساتهم، لكنهم نجحوا بدرجة كبيرة في خلع الرداء القديم وارتداء الجديد وتسويق أنفسهم للقواعد أنهم "التغيير".

والمستقر في الأذهان الآن هو أن عملية التغيير وضخ دماء جديدة تناسب المرحلة الآنية هو أمر ضروري وحتمي ولا يحتمل التأخير، لكن أي تغيير؟ وفي أي اتجاه؟ وبأي أسلوب يتم ذلك التغيير؟

أي تغيير لا يقف المتبني له على أصل المشكلات التي أوصلت الجماعة إلى هذه الحالة سيعمق من الأزمة وسيصعب من حلها على المسار الاستراتيجي، فمن حيث المبدأ لا يوجد مطلقاً أي مشكلة مع فكرة مراجعة أفكار جماعة الإخوان، ولكن المشكلة أن ما يتم طرحه الآن من تغيير الخط العام لفكر الإخوان في منهج التغيير نفسه أقرب لحالة الانحرافات الفكرية منه للمراجعات، ويغلب عليه حالة رد الفعل لا الفعل.

تيار ثالث أراه بدأ يتكون ويتبلور من طليعة شبابية موجودة على الأرض داخل مصر، تحتضنها مجموعة من القيادات الوسيطة، يرى أنه ليس مجبراً أن يقبل بجمود ما يطرحه الأول أو تهور وعدم واقعية ما يطرحه الثاني، وينظر للطرفين أنهم شركاء بالفعل في إدارة المرحلة السابقة ولم يقدم أي منهم حالة نجاح في السابق أو رؤية ناضجة للمستقبل، ويرى أن حل الأزمة يبدأ من رفع موضوعي لواقع الجماعة والثورة في اللحظة الآنية ورسم تصور واقعي و"طموح" ينقذ الجماعة من النفق المظلم الذي دخلته، كما يفتح الطريق لاستكمال الشعب المصري لثورته.

صحيح أن هذا التيار ما زال ضعيف الأثر ولا يستطيع فرض رؤيته الآن، لكن نقطة قوته هي نضج ما يطرحه من رؤى وأفكار، لأنه خارج مشهد الخلاف الآن، فلسنا بصدد ذكر ما يطرحه من رؤى، ولعل لنا مقالاً آخر لتناول ذلك المسار.

تنبيه: قد يكون هناك بعض النقاط المذكورة يوجد تحتها العديد من التفصيلات، وسيكون لهذا حديث آخر بإذن الله.

(مصر)

دلالات
المساهمون