بايدن وحرب غزة.. الغرق في سباق بين الوقت واجتياح رفح

13 مايو 2024
الرئيس الأميركي بايدن خلال حديث له في جامعة دريك، 15 يوليو 2019 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الإدارة الأميركية تظهر موقفاً متحفظاً تجاه التطورات المتسارعة حول العملية العسكرية الكبيرة التي تخطط لها إسرائيل في رفح، مع تجديد التحذيرات لإسرائيل ومحاولة تقديم بدائل لتحقيق أهدافها بطرق أخرى.
- الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة والانتقادات من داخل الكونغرس تضعف موقف الإدارة الأميركية وتعرقل جهودها في ردع إسرائيل، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية.
- تجاهل الإدارة الأميركية لتطورات النزوح القسري والتهاون تجاه التحذيرات المقدمة لإسرائيل يعقد الوضع السياسي للرئيس بايدن، مما يشير إلى اقتراب تصعيد محتمل في العملية العسكرية في رفح.

سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، قبل يومين، عن تعريف واشنطن للعملية العسكرية "الكبيرة" التي تزمع إسرائيل القيام بها في رفح والتي تعارضها الإدارة الأميركية، فما كان من ميلر حينها إلا أن أبقى إجابته في حدود العموميات دون تخصيص، إذ بدأ إجابته بالقول إنّه "لا يريد الدخول في التفاصيل"، ثم أضاف أنها "تلك التي تستهدف المدنيين في الأماكن السكنية". وكانت الإدارة الأميركية قد كررت، في الآونة الأخيرة، تحذيرها لإسرائيل من المضي في مثل هذه العملية مع التلويح بوقف تزويدها ببعض الأسلحة لو ترجمت تهديدها بالاجتياح على أرض الواقع. وأمس الأحد، جدّد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن هذا التحذير في أكثر من مقابلة. وتبعه اتصال أجراه مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي جيك سوليفان، مع نظيره الإسرائيلي تساحي هنغبي، اقتصر على تذكير هذا الأخير "بقلق الرئيس بايدن" بخصوص اجتياح رفح، حسب بيان نشره البيت الأبيض، لكن الترجيح يشير إلى أن المكالمة تناولت جوانب أخرى أبعد من القلق، منها السعي لحمل الحكومة الاسرائيلية على صرف النظر عن العملية مقابل بدائل تحقق لها نفس الغرض، منها تزويدها "بمعلومات استخباراتية أميركية تتيح لها تقفّي آثار القيادات العسكرية لحماس، تحديداً زعيم الحركة يحيى السنوار" لملاحقتهم واغتيالهم. وكان قد تردد في الأيام الأخيرة أن الإدارة قدمت هذا العرض ويبدو أن إسرائيل لم تأخذ به وقامت بتسريبه.

يعكس تحرك الإدارة الأميركية الآن على خطّي التحذير والبدائل، خشيتها المتزايدة من تسارع التطورات بالاتجاه المعاكس لحساباتها، حيث فضلت الإجراءات التي اتخذتها (وقف تزويد إسرائيل بقنابل الألفي باوند) في ردع ومنع الهجوم المتوقع على رفح. ومع ذلك أثارت العملية الكثير من الضخب في الولايات المتحدة، من باب أن الإدارة الأميركية تعرقل مهمة الحليف في "إنهاء المرحلة الأخيرة من حرب غزة"، وأن ذريعة حماية المدنيين في رفح لا تستقيم طالما أن "حماس تستخدمهم كدرع وقائي". مثل هذا الدفع المضاد الذي يفتعل تصوير إسرائيل كضحية، يلقى صداه خاصة في الكونغرس، مع اقتراب الانتخابات، وقد نجح في توسيع دائرة النفور من بايدن في صف الديمقراطيين، بزعم أنه يقف ضد إسرائيل في لحظة حرجة، رغم أن خطوته كانت رمزية وتكاد تكون بدون تأثير على مجرى عملياتها العسكرية. ولا شك أن هذه الأجواء ساهمت في إضعاف قدرة البيت الأبيض على ردع إسرائيل في رفح. وقد انعكس ذلك في التحذير الرخو الذي كرره، أمس الأحد، وزير الخارجية أنتوني بلينكن، والذي كان يفترض أن يكون على قدر من الحزم وبما يعكس رفض بايدن المعلن للاجتياح، إلا إذا كان تشدد البيت الأبيض لفظي فقط ومفتوح على التوسع في تفسيره، وهذا احتمال غير مستبعد في ظل مأزق بايدن الذي يبدو غير قادر على كبح جماح إسرائيل، وفي ذات الوقت بات لا يقوى على التراجع عن موقفه في موضوع رفح، إذ ما زالت الإدارة الأميركية تردد بأن العمليات في رفح "لم تتجاوز بعد الخط الأحمر"، وأنها محصورة في الجانب الشرقي من المدينة.

لكن ومع هذا كله، يبدو أن دائرة التمويه التي تتبعها إدارة بايدن بدأت تضيق، خصوصاً مع إخلاء أكثر من 350 ألف نازح، في الأيام الأخيرة، وهو مؤشر يشي باقتراب العملية. وما كان لافتاً أن الإدارة الأميركية تجاهلت هذا الأمر، علماً أنها كانت قد أدرجت في وقت مبكر من الحرب، مسألة النزوح القسري في لائحة "اللاءات" الخمس التي أعلنت التزامها بمنع حصولها (وكانت تشمل منع احتلال غزة، عدم تقليص مساحتها، وعدم حصارها، عدم استخدامها كمنصة للعنف والإرهاب)، خاصة أن المدنيين الذين يجري إخلاؤهم من رفح هم نازحون للمرة الثانية، لكن مع هذا كله، بدت واشنطن وكأنها لم ترَ ولم تسمع. ويبدو أن تمادي الرئيس الأميركي في التهاون وغض النظر عن الانتهاكات الإسرائيلية شجع الاحتلال على تجاهله عندما قرر بدء عمليه في رفح. وقد سبق لمقربين من البيت الأبيض مثل السناتور الديمقراطي كريس فان هولن، والسناتور بيرني ساندرز، أن قرعوا جرس الإنذار قبل أشهر، محذرين من التساهل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يجاهر بتحديه لبايدن. لكن مع هذا كله، يبدو أن الأوان قد فات، فالانتخابات الأميركية باتت قريبة، وأرقامها العنيدة على حالها، خصوصاً أن حرب غزة تزيد من تعثرها، وبالتالي من تصاعد من متاعب بايدن معها، فيما يسكب الجمهوريون الزيت على نار رفح، وهو ما يشد أزر نتنياهو ويحرضه على عدم التراجع بهدف مفاقمة وضع بايدن الغارق في سباق بين الوقت واجتياح رفح.

المساهمون