الطائفية.. أزمة هيكلية في النظام السياسي

29 يونيو 2015

طلاب عراقيون يحتجون ببغداد ضد الطائفية (4 مايو/2013/أ.ف.ب)

+ الخط -
في العام 1860، بلغت الأزمة الطائفية ذروتها، بين جبل لبنان وجبال الشوف، لتمتد إلى دمشق. ووفاء للتقليد النبوي في حماية "أهل الذمة"، وانتصاراً لقيم التسامح الإسلامي، يحاول الأمير المتنور عبد القادر الجزائري، إخماد "الفتنة" وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن، وفي غياب وحدة اندماجية، ظلت الطائفية، من حيث كونها إعلاء لشأن الانتماءات والولاءات الدينية والمذهبية والعرقية والثقافية، تنشط في اتجاهين متعارضين، فالطائفة أو الطوائف التي سُوِّدت، مارست التمييز وسياسة الإقصاء، أما تلك المَسوْدة فأمعنت في الانطواء على الذات والانعزال، مع ما يناسبهما من نرجسية. واستمرت الروابط الدينية والمذهبية والأسرية والعشائرية أساساً للهوية، وغلب على كل فريق مشروعه الاجتماعي والسياسي الخاص. 
وطالما عبّر النظر إلى مشكلة الطائفية باعتبارها "فتنة"، عن قصور في الوعي الجمعي وصعوبات في الاندماج، حالت دون تكرار الوقوع في براثن الطائفية، التي بقيت حصان طروادة خلف أسوار "سايكس بيكو"، لتهبط منه معيقات المشروع الوطني الاندماجي والتوحيدي. وكان المفروض أن تتوفر مع الدولة الوطنية، بعد الاستقلال، حلولاً للمشكلة الطائفية، عبر ما تتيحه تلك الدولة من فرص الاندماج والتشارك في المشروع الوطني. لكن، بعد أن كانت المجتمعات العربية والإسلامية تواجه أزمة في هويتها الحضارية منذ صدمة الحداثة، في عصر النهضة، كان عليها أن تعاني من أزمات هويات سياسية، ضمن حدودها المستحدثة، تفاقمت في عصر العولمة.

وجدت الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية، تاريخيا، واقعاً ديمغرافياً وأنثروبولوجياً وثقافياً، منذ بدايات الدولة العربية الإسلامية، التي تماسكت وازدهرت، طالما حافظت على قدر من الاندماج للأقليات كافة، ووفرت فرصاً للمشاركة الحضارية، بما يتناسب ومقاييس ذلك العصر، قبل أن تلعب مشكلة الأقليات ("الشعوبية") دورها في زعزعة استقرارها وانهيارها. بعد الاستقلال، كان على المجددين الإسلاميين أن يواجهوا واقعاً مستحدثاً، بعد أن حررت الدولة الوطنية بدساتيرها الوضعية من كانوا تقليدياً "أهل ذمة"، ومساواتهم، وغيرهم من الأقليات، نظرياً وحقوقياً مع المسلمين. وكان يتوجب عليهم، إعادة النظر في اجتهاداتهم، لتضمينها حلولاً فقهية تعترف بهذا الواقع الجديد، وإن على حساب منظومتهم الاجتهادية التقليدية، أو السير عكس التاريخ في رفض هذا الواقع الموضوعي. لم تخل العملية من التخبط الفكري حيناً، ولا من التناقض بين النظرية والتطبيق حيناً آخر.
حسمت التيارات السلفية بصيغتها الجهادية أمرها، عبر الإيمان بهوية مثالية فوق التاريخ، وعبر انتقائية فقهية، راحت تنبش الماضي، للحفاظ على نقاء الهوية الحضارية. وكان العنف المضاد لعنف الأنظمة وسيلتها المثلى، والذي امتد على مساحةٍ رسمت حدودها اختزال "الأمة" في "الجماعة"، ومبدأ: من ليس معنا فهو علينا. وعند فشلها في المواجهة، تسربت خارج الحدود، لتضفي على "الجهاد" بعداً عالمياً، وتبحث عن "لا دولة" تتسع لـ "الخلافة"، من حيث هي، في أحد وجوهها، تعبير عن نقاء هوياتي. هنا، تفصح أزمة الهوية عن نفسها لدى "الجهادية" اضطراباً نفسياً واجتماعياً، أقله قسمة المجتمعات إلى دار كفر ودار إسلام، وأقصاه ممارسة أفظع الجرائم بحق الآخر، مسلمين وغيرهم.
ما إن استولت الأيديولوجيات العسكرية على الحكم، حتى ألغت العمل بالدساتير التي وضعت ما بعد الاستقلال، والتي أتاحت تعددية سياسية، لصالح دساتير تتناسب والطبيعة الشمولية لتلك الأيديولوجيات. فصادرت الحريات، وعطلت الحياة السياسية لصالح قوانين الطوارئ وحكم الفرد، وهيمنت على وسائل الإعلام. وباسم الوحدة الوطنية، نظرت إلى الأقليات معوقات للوحدة، أو طابوراً خامساً، لا سيما حين تتوفر امتدادات لها خارج الحدود، فألغت باسم الوطنية الخصوصيات الدينية والمذهبية والثقافية، لتفرض ثقافة يونيفورم، تتناسب مع وطن أَرادته هذه الأيديولوجيات بلون واحد. ولم تكن العلمانية الموظفة سياسياً، والمختزلة في العداء للدين (لم ينج من التسييس)، والتي أسبلت على القومية العربية ومشروعات الوحدة، سوى واجهة لمجتمعات تقليدية غارقة في الانقسام والتقوقع على الذات، يسودها الاعتقاد بالخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي.
مع صحوة الأقليات منذ مطلع التسعينيات، ثبت أن الكيانات التي تأسست على الوحدة القسرية، عبر طمس تنوعاتها، وقهر تعددياتها وإنكار خصوصياتها المختلفة، مصيرها التشظي، وأن إفساح المجال للأقليات لإبراز خصوصياتها الثقافية، حقوقياً ودستورياً، وصياغة واقعها الخاص، هو ما يجعل الاندماج الطوعي ممكناً في المشروعين الوطني والقومي. لكن النخب العربية الحاكمة لا تتعلم من دروس الآخرين.

في العالم العربي، غابت الدولة المدنية التشاركية، وما يتناسب معها من تعددية تتيح للدولة حياداً تجاه عقائد مواطنيها، فلا تمارس إقصاء أو فرزاً لهم على أساس الانتماءات والولاءات. غابت الهيكلية السياسية التي توفر المحمولات الدستورية والقانونية للمواطنة الحقيقية، لم تتوفر الفرص لبناء مجتمع تعاقدي، يضمن حقوق الأفراد، ولا لوطن يتسع للجميع. بل على العكس، فقد أدى استثمار الطائفية ورقة سياسية من الأنظمة، من خلال سياستها في اللعب على التناقضات، لتكريس سلطتها على حساب المجتمع والمواطن، إلى اختلال التوازنات، وتعميق الصراع بين الانتماءين، الوطني والفرعي (الطائفي)، ما أفضى إلى أزمة هوية سياسية لمختلف الجماعات ضمن الدولة الواحدة. عملت الطائفية السياسية على تراجع الشعور بالانتماء الوطني، لحساب الانتماء الديني والمذهبي والعرقي، الذي شكل تهديداً وجودياً مستمراً للمجتمعات العربية. وبفضل هذه الطائفية، وفي لحظات الانتفاضات أو الاحتجاجات الاجتماعية الكبرى، بدت المطالب الوطنية الجامعة ضبابية، سرعان ما توارت خلف المطالب الفئوية، والمصالح الشخصية، والنزعات الانفصالية، والأصوليات الدينية. فاستشرست طوائف في الحفاظ على وجودها، وأخرى في الحفاظ على مصالحها ومكاسبها. أما التطهير العرقي والقتل على الهوية المذهبية والدينية والسياسية، فهي نتائج، يسقط معها وهم البقاء على الحياد، فيصبح الجميع في حرب ضد الجميع.
ليست الطائفية أزمة هوية، بقدر ما هي، أولاً، أزمة في هيكلية النظام السياسي العربي، الذي حول الدولة إلى طائفةٍ، في مواجهة الطوائف الأخرى، وأقلية في صراع الأقليات، فهل فات الأوان في ظل ما يجري من تدويل للطائفية؟
يدفع هذا التدويل الصراع الطائفي قدما، مستنزفا المنطقة، ومفتتاً دولها على قاعدة تزداد وضوحاً كل يوم، وهي: لا ينبغي أن ينتصر هذا الطرف أو ذاك، بل لا بد أن يسفر الصراع عن نهايتهما معا.

دلالات