حرب أوكرانيا والاتفاق السعودي الإيراني

06 ابريل 2023
+ الخط -

تأكّدَ في السنوات الأخيرة أن مبدأ "الملفات" قد بات يحكم العلاقات بين الدول المؤثرة، أكثر من مبدأ القطيعة الدائمة أو العلاقات التحالفية الدائمة التي حكمت العلاقات الدولية سنواتٍ كثيرة. واتّضح هذا من خلال العلاقات بين روسيا وتركيا، واتفاقهما في ملفّاتٍ محدّدة وخلافهما في أخرى، وكذلك العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. وإذ تصاعد التوتر بين السعودية وإيران كثيراً قبل سنوات، فإن الحرب على أوكرانيا، وما سجّلته من خطورة تصاعد التوتر بين الدول المتجاورة، ووصوله إلى مرحلة الحرب التدميرية، يمكن أن تدفع علاقات حسن الجوار والاتفاق بين هاتين الجارتين في الخليج العربي المضطرب، بشأن أيٍّ من الملفات العالقة بينهما، لأنْ تكون منجيةً لهما من حربٍ شبيهةٍ بالحرب الأوكرانية.

تبرز أهمية الاتفاق الذي وقعته السعودية وإيران، والذي ينصّ على إعادة العلاقات بينهما، ويؤكّد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، من أنهما يشكّلان أساس محورين إقليميين وصلت العلاقة بينهما إلى مرحلة ما قبل التصادم، على خلفية صراعهما في اليمن وغيره من مسبّبات تزامنت مع هذا الصراع. وأدّى دعم إيران الحوثيين في حربهم على الشرعية، وممارسة هؤلاء سياسة الترهيب بحقّ دول الجوار، إلى وصول التوتر إلى مرحلة حرجة، بعد تبنّيهم الهجوم الكبير على حقل نفطي وعلى مصافي شركة أرامكو في بقيق، أواسط سبتمبر/ أيلول 2019، عبر المسيّرات والصواريخ، واتهام إيران بأنها مصدر الهجمات. كما ترى السعودية أن تدخّل إيران في عدة دول عربية جعلَ هذه الدول تتحوّل إلى بؤر توتر أثرت على المنطقة برمتها، في وقتٍ تحتاج فيه المنطقة إلى الاستقرار من أجل مواجهة تحدّيات التنمية والمشكلات الاقتصادية ومشكلات الطاقة والتغيُّر المناخي.

لا يمكن تخيّل حجم الحرب بين السعودية وإيران، وآثارها التدميرية على الطرفين، وتأثيراتها الإقليمية والدولية، إلا بعد التمعّن في ما خلفه الغزو الروسي لأوكرانيا

وتُعد حرب روسيا على أوكرانيا مثالاً على ما يمكن أن يؤدّي إليه عدم التفاهم بين الدول المتجاورة من حربٍ مدمرةٍ تتجاوز آثارُها الطرفين المتحاربين لتؤثر على العالم برمّته. وبينما كان يمكن تفادي الحرب بين روسيا وأوكرانيا عبر المفاوضات والحوار، ورد في البيان الذي أعلن الاتفاق أنه جاء ثمرة مبادرة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لرعاية بلاده حلّ الخلافات بين الطرفين بالحوار والطرق الدبلوماسية، ما يشير إلى تأثير الدرس الأوكراني في خطورة الابتعاد عن الحلّ السلمي للخلافات على حكومتي الرياض وطهران. ومعروفٌ أن عدة حوادث كادت أن تودي بالبلدين إلى حافّة الصدام، خصوصاً بعد اقتحام متظاهرين إيرانيين السفارة السعودية في طهران سنة 2016، والذي أدّى إلى قطع العلاقات بينهما. ولوحظ في السنوات التي تلت، ومع تصاعد الحرب في اليمن وتزايد هجمات الحوثيين على السعودية، تهديد الرياض بنقل المعركة إلى طهران. كما ازداد حجم التجييش الإعلامي الذي وصل إلى حدّ عرض فيديو محاكاة هجوم سعودي على طهران وإخضاع قادتها، وإنتاج إيران فيديو محاكاة هجوم إيراني على السعودية ومنشآتها النفطية.

أثبتت هجمات سبتمبر/ أيلول 2019 على منشآت شركة أرامكو السعودية أن تعهد الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها يعاني من خللٍ ما، يمكن أن يصل إلى حدّ التخلّي عن هؤلاء الحلفاء في اللحظات الحرجة، وتركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم. وكان حجم هذا التخلي واضحاً يومها، عندما أظهر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، عدم اكتراثه بخطورة الهجمات، حين قال إنه هجوم على السعودية وليس على الولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يكون هذا الموقف قد وقع على قادة السعودية وقوع جرس الخطر، فدفعهم إلى البحث في مقاربات مختلفة للعلاقة مع طهران، بعيداً عن التهويل وزيادة التوتر من أجل مصلحتهم من جهة، وبسبب تخيّلهم المملكة متروكة في ساحة معركة مع خصم لديه من الأسلحة والأذرع ما يجعل الحرب معه غير محسوبة العواقب.

حرب روسيا على أوكرانيا مثال على ما يمكن أن يؤدّي إليه عدم التفاهم بين الدول المتجاورة

ولا يمكن تخيّل حجم الحرب بين السعودية وإيران، وآثارها التدميرية على الطرفين، وتأثيراتها الإقليمية والدولية، إلا بعد التمعّن في ما خلفه الغزو الروسي لأوكرانيا، والحرب المستمرّة منذ أكثر من سنة، على الطرفين وعلى دول العالم قاطبة. وإذا كانت أولى آثار الحرب الأوكرانية تهديد الأمن الغذائي العالمي وتهديدها أمن الطاقة في أوروبا، فإن أول تأثيرات حربٍ بين السعودية وإيران سيكون على أمن الطاقة في العالم، وليس في منطقة محدّدة، وتهديدها اقتصادات دول كثيرة بسبب اعتماد نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي على مصادر الطاقة الآتية من منطقة الخليج. ويمكن لحربٍ كهذه ألا تتوقف عند حدود الطرفين الجغرافية، بل يمكن لها أن تطاول دول المنطقة التي يمكن أن تصبح طرفاً عسكرياً مباشراً فيها، أو غير مباشر عبر تقديمها الدعم العسكري والمالي واللوجستي، وهو ما يمكن أن يزيد من حجمها وخطورتها.

إذا كان الغزو الروسي لأوكرانيا، وإصرار روسيا على مواصلة الحرب فترة تتجاوز ما كانت قد خطّطت له بكثير، من أجل تحقيق أهدافها، إذا كان هذا الأمر قد أيقظ أشباح الاستعمار القديم وأشباح الحرب الباردة، وزاد من شهوة القوة لدى بعض القوى الدولية والإقليمية، وجعلها تحاول تخيّل السيناريو الروسي لمعاجلة مشكلاتها مع جيرانها، فإن الاتفاق السعودي الإيراني يعدّ حدثاً لافتاً على الصعيد الدولي ودافعاً لتبريد الأدمغة التي أخذت تسخُن بعد حرب أوكرانيا. ويمكن أن تزداد أهميته ويصبح أكثر فائدة وإمكانية احتذاء الآخرين به بدلاً من احتذائهم مثال الحرب الروسية على أوكرانيا التي باتت عبثيّة، والتي لا تتوقف دروسها المؤلمة عن الظهور مع كل يوم تستمرّ فيه نارها بالاشتعال.

46A94F74-0E6B-4FEC-BFDA-803FB7C9ADA6
مالك ونوس

كاتب ومترجم سوري، نشر ترجمات ومقالات في صحف ودوريات سورية ولبنانية وخليجية، نقل إلى العربية كتاب "غزة حافظوا على إنسانيتكم" للمتضامن الدولي فيتوريو أريغوني، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.