موسكو تستبق جنيف بمحاولة تشكيل معارضة سورية على مقاسها

29 يناير 2017
تستمر معاناة اللاجئين السوريين خارج بلادهم (كريم كوكالار/الأناضول)
+ الخط -


لم تتضح بعد ملامح الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف بين المعارضة السورية والنظام، لجهة التوقيت، وجدول أعمال هذه الجولة من مفاوضات متوقفة منذ إبريل/نيسان الماضي، فيما لا تخفي موسكو مساعيها لخلق "كيان موازٍ" ينافس الهيئة العليا للمفاوضات، لتمرير رؤية روسية تعاند إرادة السوريين المطالبة بتغيير جذري يطيح على الأقل رأس النظام، وأركان حكمه.
وأكد القيادي في هيئة التنسيق الوطنية وعضو الهيئة العليا للمفاوضات، أحمد العسراوي، أن الأخيرة لم تتلق من الأمم المتحدة ما يفيد بتأجيل الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف إلى أواخر فبراير/شباط المقبل، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن اجتماعاً للهيئة من المفترض أن تعقده في مقرها في العاصمة السعودية الرياض قبل الثامن من فبراير/شباط المقبل "لم يُحدَد موعده، أو جدول أعماله بعد".
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال الجمعة إن مفاوضات جنيف تأجلت حتى نهاية فبراير/شباط المقبل، ولكن مكتب المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا أكد أنه لا يوجد تأكيد على أن محادثات فبراير أرجئت، فيما لم تتلق المعارضة دعوات حتى الآن إلى جنيف.
ولم تتضح بعد ملامح وأبعاد الجولة المرتقبة من المفاوضات، التي توقفت في أبريل 2016، على خلفية عدم انصياع النظام لقرارات دولية دعته إلى فك الحصار عن المناطق التي تحاصرها قواته، وإطلاق سراح المعتقلين، بل مواصلته ارتكاب المجازر اثناء انعقاد المفاوضات لدفع المعارضة إلى الانسحاب منها ليظهرها بمظهر المعطل للمسار السياسي أمام المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن مفاوضات أستانة "تمكنت من دفع عملية التسوية السلمية للنزاع في سورية إلى الأمام". وأفاد المكتب الصحافي للكرملين في بيان أمس أن بوتين ونظيره الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، أكدا في مكالمة هاتفية بينهما أمس أن "المفاوضات السورية تمكنت من دفع عملية التسوية السلمية للنزاع في سورية إلى الأمام". فيما قال نزارباييف وفق مكتبه الإعلامي، أن "تسوية الأزمة السورية، يجب أن تجري عبر الطرق السلمية حصراً"، وأعرب عن استعداده لتقديم كل السبل المساندة لهذه العملية.
ولا تخفي روسيا نيتها وسعيها إلى تشكيل "كيان موازٍ" للهيئة العليا للمفاوضات التي فشلت موسكو في استمالتها بسبب إصرار الهيئة على إعلان موقف واضح حيال مستقبل بشار الأسد في سورية. وجمعت موسكو أمس الأول الجمعة شخصيات ومندوبين من عدة منصات لحثهم على تشكيل وفد واحد إلى مفاوضات جنيف لتوجيه ضربة لوفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي يمثّل الثورة والمعارضة، ويُعدّ وفق الأمم المتحدة "الممثل الشرعي" لهما في أي مفاوضات تفضي إلى تسوية. كذلك بحث مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، "التسوية في سورية" مع زعيم تيار "بناء الدولة" لؤي حسين، وفق بيان للخارجية الروسية.
فيما ذكرت مصادر إعلامية في موسكو لـ"العربي الجديد" أن شخصيات شاركت في الاجتماع أكدت انها لن تميل إلى المشاركة في وفد منفصل عن وفد الهيئة العليا للمفاوضات، مشيرة إلى أن هناك مساعٍ تبذل لتقريب وجهات النظر بين بعض المنصات، وبين الهيئة.


ورأى المتحدث الرسمي باسم الهيئة، رياض نعسان آغا، أنه "يجب أن يكون لدى الوفد المفاوض توافق في الموقف والرؤية"، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن بعض الشخصيات والمنصات "تريد الإبقاء على النظام والأسد"، متسائلاً: "هل تُسمّى هذه معارضة؟".
ويشكك مراقبون بإمكانية التوافق بين الهيئة العليا، ومنصات وتيارات طفت على سطح الأحداث بدفع من النظام أو الروس أو الإيرانيين، بسبب التباين الكبير في الرؤى، إذ تتمسك الهيئة بقرارات دولية تدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية من دون الأسد، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش والأجهزة الأمنية. فيما لا تدعو منصات (معارضة) إلى إسقاط النظام ورأسه، خصوصاً منصتي موسكو، وحميميم، في حين لا ترى منصة القاهرة مانعاً في حق الأسد بالترشح في أي انتخابات تُجرى.
وكان من اللافت حضور رئيس هيئة التنسيق الوطنية حسن عبد العظيم، التي تعد إحدى أهم مكونات الهيئة العليا للمفاوضات، اجتماعات موسكو. وعلمت "العربي الجديد" أن أغلب قياديي هيئة التنسيق لم يكونوا مع ذهاب عبد العظيم إلى موسكو خشية أن يؤدي ذلك إلى شرخ مع الهيئة العليا التي رفض منسقها العام تلبية الدعوة الروسية.
وأشار القيادي في جماعة "الإخوان" السورية، ملهم الدروبي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن الروس "كذبوا علينا منذ اليوم الأول خلال زيارتنا لهم في شهر يونيو/حزيران 2011، وما زالوا يكذبون"، مضيفاً: "حاولوا وما زالوا يحاولون تصنيع دمى لهم تأتمر بأمرهم. لم ينجحوا بترويض المؤسسات الوطنية السورية، فعملوا على تصنيع واجهات لهم".
وطيلة سنوات، استغل النظام وحلفاؤه العديد من الثغرات في بنية المعارضة، فصنع شخصيات، وأحزاباً، وتيارات لفرضها على الشارع السوري، لا تدعو إلى إسقاط رأس النظام، بل تسعى إلى إعادة إنتاجه مرة أخرى، وهو ما أربك المشهد السياسي السوري المعارض، خصوصاً أن المجتمع الدولي سمح للنظام بارتكاب المجازر، وقتل وتهجير ملايين السوريين، وأدخل السوريين في أنفاق مؤتمرات وقرارات "حمّالة أوجه"، لم تساعد في إيقاف المذبحة السورية المستمرة منذ سنوات.
وحاولت أطراف إقليمية تجميع المعارضة في جسم واحد، فظهرت الهيئة العليا للمفاوضات أواخر عام 2016 على أمل توحيد الرؤى والاستعداد للاستحقاق التفاوضي في جنيف. ولكن الهيئة واجهت عراقيل وضعتها روسيا وإيران بسبب رفضها مجاراة رؤيتهما للحل في سورية القائم على بقاء الأسد في السلطة. وظهر العديد مما اصطلح على تسميته بـ"منصات معارضة" نُسبت إلى العواصم التي تدعمها أو تشكلت فيها، من قبيل منصة القاهرة، ومنصة موسكو، ومنصة أستانة، ومنصة دمشق، ومنصة حميميم، إضافة إلى محاولة حزب "الاتحاد الديمقراطي" خطف التمثيل الكردي وهو ما يواجه اعتراضاً، خصوصاً من الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات بسبب اتهامات للحزب من جهات حقوقية دولية بقيامه بعمليات تطهير عرقي، وبسبب نزعته الانفصالية.
ولا تخفي تيارات وكيانات، وشخصيات المعارضة السورية وجود اختلاف يصل حدود الخلاف تبادلت على خلفيته الاتهامات، في الغايات والوسائل حيال حاضر ومستقبل البلاد. وفي هذا الصدد، قال الدروبي إن "من أهم أسباب تفرق كلمة المعارضة السورية هو تعدد مصادر التمويل، والدعم، وتنازع الداعمين في ما بينهم، وذلك لاختلاف أجنداتهم في سورية." وأعرب الدروبي عن قناعته بأن المجتمع الدولي "يتنافس في سورية بسبب موقعها الجيوسياسي"، مضيفاً في حديثه مع "العربي الجديد": "الكل ينظر إلى سورية من زاويتين: الأمن القومي، والدخل القومي له، وهنا تأتي الاختلافات والتقاسمات بين القوى الدولية والإقليمية"، مبدياً أسفه لعدم توفر قوى داعمة مستقلة للثورة السورية، مشيراً إلى أن "حب الأنا بين من تصدروا المشهد، وغياب القائد المتميز القادر على جمع الناس حوله، أسهم في تفرق كلمة المعارضة السورية".