مصر في الحلقة المفرغة

11 ديسمبر 2015
+ الخط -
في ذكرياته المتلفزة (سنوات الفرص الضائعة) يروي مصطفى الفقي عن حسني مبارك أنه رد مستنكراً على من نقل له تخوفات بعضهم وتذمرهم من مشروع التوريث الذي بدأت إرهاصاته، فقال: "توريث إيه؟ أنا هاسيب له خرابة؟".
وبصرف النظر أن مشروع التوريث كان يجري بالفعل حتى أجهضته ثورة يناير، وأن الفقي نفسه ومواقفه ليست فوق مستوى الشبهات الثورية، إلا أنّ الملفت، هنا، نظرة مبارك للبلد الذي حكمه ثلاثين عاماً، حين وصفه بالخرابة.
وسخطاً على الحياة في خرابة، انتفض المصريون في يناير، وانتهى الأمر بتنحي مبارك، وبدأوا يرسمون الآمال العريضة في مستقبل أفضل، ولو بعد حين، لكنّ فترة تولي المجلس العسكري شهدت اضطراباً هائلاً من النواحي، السياسية والاقتصادية والأمنية، عانى منها المصريون الأمرّين، وعلى الرغم من أن فشل المجلس العسكري من ناحية، ورغبة الدولة العميقة في معاقبة الشعب على ثورته من ناحية، كانا سبب ذلك التدهور، إلا أن النظام الحالي، مثلاً، يحب أن يعود باللوم على الثورة نفسها، كأن الشعب المسؤول عن تناقص الإحتياطي النقدي الأجنبي 20 مليار دولار في عام ونصف، أو أنه كان المتسبب في هروب عشرات المليارات من أموال المصريين إلى الخارج على أيدي مسؤولي النظام السابق، أو كان صاحب التخبط السياسي والإقتصادي في إدارة أمور الحكم، أو كأنه هو (لا الشرطة) من تواطأ في حفظ الأمن وتفعيل القانون!
ثم جاءت أول انتخابات رئاسية بعد الثورة بأول رئيس مدني منتخب، لكن الرجل تعرّض لحربٍ ضروس من الدولة العميقة وأذرعها في مؤسسات الدولة والإعلام والقضاء والشرطة والمخابرات ورجال الأعمال، فتم إفشال محمد مرسي وتشويهه، ولم تستطع جماعة الإخوان المسلمين أن تواجه المؤامرة الكبرى، وساهم ارتباكها في إدارة بلد نخر فيه الفساد، وتعاملها بطريقة إصلاحية مسالمة مع مؤسسات فاسدة في تعجيل النهاية، وحدوث الانقلاب العسكري الذي حظى بتأييد قطاع من الشعب المصري، تمت إثارته وتهييجه، فأتوا بمن قامت عليهم ثورة يناير للحكم. وعلى الرغم أن مرسي، وحزبه الحاكم، عملوا كل جهدهم خلال عام للارتقاء بالبلد، وبدأت مؤشرات ومشكلات مزمنة بالتحسن، وربما لو مكثوا عدة أعوام في ظروف محايدة، لشعر الناس بالفارق، لكن كان مستحيلاً أن تترك لهم الدولة العميقة الفرصة الكافية، فحدث انقلاب يوليو.
ولم تتحسن أحوال مصر بعد انقلاب يوليو 2013 كما تمنى المؤيدون، بل تدهورت بعنف على كل الأصعدة، اقتصادياً وأمنياً وحقوقياً وسياسياً، وصارت الأوضاع في عام "الإخوان" حلماً إذا قارنته بالحال المتردي في زمن عبد الفتاح السيسي، والفارق فقط أن الدولة العميقة تدعم الرجل بشدة، وأن الشعب ألجمته القبضة الأمنية الحديدية عن الاعتراض.
وساهمت المظالم السياسية والأمنية للنظام في نشاط الجماعات المسلحة وظهور الإرهاب بكل قوة، ولا تسأل في هذه الظروف عن السياحة والاستثمار والتنمية، وحتى المشروعات الكبرى التي يعلنها نظام السيسي، كل بضعة أشهر، يتبين للناس (أو لغير المغيبين منهم) أنها وهم كبير (قناة السويس الجديدة، العاصمة الجديدة، المليون وحدة سكنية، استصلاح مليون فدان، شبكة طرق جديدة لمصر، علاج فيروس سي..إلخ). وبذلك انتقلت مصر من خرابة مبارك قبل ثورة يناير إلى خرابة السيسي بعد الثورة التي لم يبق مكسب واحد من مكاسبها يفرح به الناس، بل إن من قاموا بها صاروا بين السجون والمنفى.
قل ما شئت في الفرص الضائعة التي أهدرها المصريون في اللحاق بركب الدول المتطورة بعد ثورة يناير، وقل ما شئت في عجز القوى السياسية في الحفاظ على ثورة مصر. لكن، ماذا يُجدي البكاء على اللبن المسكوب؟
لا يجد التأمل المنصف في مآل النظام الحاكم الحالي صعوبة كبرى في استنتاج أنه يسير نحو الهاوية بسرعة كبرى، يبدو بجوارها نظام مبارك شديد الاتزان والحكمة، وصحيح أنه يلجأ إلى القبضة البوليسية العاتية، لكنّ هذه الأمور لا تُقيم دولة مستقرة.
لكن، حتى المتفائلين الذين ينتظرون سقوط النظام الحالي لا يجيبون عن الأسئلة التاريخية المزمنة: ما هو البديل الذي سيحظى برضا أغلبية المصريين؟ الإخوان المسلمون الذين شوهت مؤامرات النظام القديم انطباع كثيرين عنهم، وأوجدت فجوةً معهم، أم القوى السياسية الوطنية غير الموجودة أساساً في الشارع، والتي لا تستطيع أن تجتمع على أجندة وطنية واحدة حتى الآن؟ ما هو مشروع التعامل مع الدولة العميقة ومؤسساتها الفاسدة؟ هل سيكون النهج إصلاحياً أم ثورياً؟ وما تفاصيل النهج الثوري إن كان؟ ما هو مشروع الخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة؟ كيف سيتم التعامل مع مطالب الشعب وطموحاته الفئوية وتأجيلها مؤقتاً؟ وهل ستنجح الدولة العميقة في هزيمة أية محاولة إصلاحية جادة، لتبقى مصر في الدائرة المفرغة دائماً؟
فهل ينتبه جميع الوطنيين المصريين، وفي القلب منهم الإخوان المسلمون، إلى أن واجب الوقت الآن تكوين جبهة وطنية شاملة، تعلو فوق جميع الخلافات والأيديولوجيات، بمطالب وطنية مجمع عليها، وتصورات دقيقة لإدارة دولة لها أزمات بهذا الحجم، أم ستمزقها الخلافات، ويشتتها ارتباك الأمر الواقع حينها، ويكرّر التاريخ نفسه، وتبقى مصر في الحلقة المفرغة؟
avata
avata
أحمد سليمان (مصر)
أحمد سليمان (مصر)