حكومة عرّافة رأس السنة

05 يناير 2020
لم تنته المصاعب أمام الجملي بتقديم تشكيلته(فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
بعد رحلة مضنية أنهكت أعصاب التونسيين، توصل رئيس الحكومة المكلف، الحبيب الجملي، إلى تشكيل حكومة من 42 وزيراً! ولكن المصاعب أمامه لم تنته مع الإعلان عن قائمة الشخصيات التي اختارها، بل لعلها انطلقت لتوّها بحملات التشكيك والضرب تحت الحزام التي طاولتها من الأعداء والأصدقاء على حد سواء. ويتندّر التونسيون كيف توصّل الجزائريون إلى تشكيل حكومة في خمسة أيام، بينما استمرت رحلتهم أكثر من شهر ونصف، وكيف أن حكومات في بلدان كبيرة لا يتجاوز عدد وزرائها 15 وزيراً، بينما ذهب الجملي إلى أكثر من أربعين. ولكن أسئلة أخرى تبقى عالقة بما أحاط مسار البحث عن هذه الحكومة الغريبة التي تثير احترازات حتى من الحزب الذي كلف الجملي بتشكيلها، حركة "النهضة"، والأحزاب التي يُفترض أن تكون داعمة لها، ويبدو أن هذا أصبح اختصاصاً تونسياً في عالم السياسة، إذ تحيط أجواء التخفي والمواربة بكل تحرك سياسي، فكان الجميع يتحرك في مناخ سينمائي مريب ومرعب، يخاف فيه الكل من الآخر، وينقله إلى جميع المتفرجين.

يعلم الجميع، من سياسيين وأحزاب ومواطنين وصحافيين، والجملي و"النهضة" و"قلب تونس" والرئيس قيس سعيّد، والخارج والداخل، أن هذه الحكومة هي حكومة "النهضة" و"قلب تونس" وقد يضاف إليها آخرون، من بينهم "ائتلاف الكرامة"، ولا أحد يفهم لماذا يسيطر هذا الجو من النكران أو التنكّر، ولماذا ينكر الحزبان أن هذه الحكومة تصاغ بالتشاور بينهما وبشروطهما، في حين أن هذا لن يمر على أحد.

ومع ذلك رافقت ولادة هذه الحكومة حرب عناوين، حكومة كفاءات، حكومة كفاءات مستقلة، حكومة كفاءات سياسية، حكومة كفاءات سياسية مستقلة، حكومة كفاءات مفتوحة على الأحزاب، وكلها للإمعان في لعبة الغموض والتخفي وإدخال ما أمكن من الإرباك وتشتيت الصورة لدى التونسيين، وكأنه لا يكفيهم ما هم فيه من غموض وإرباك.

يعكس هذا الأمر حالة من الجبن السياسي، وفيه أيضاً حالة من استغباء الناس والتقليل من ذكائهم، وتعدٍّ صارخ عليهم، ولكنه بالخصوص يعكس جواً من الخوف المتبادل بين السياسيين ومناخاً من انعدام الثقة، والأهم، إعلاء لمصير الحزب على المصير الأهم، حياة التونسيين الذين انتخبوهم أملاً في غد أقل توتراً وأكثر رزقاً. ولكن من ينصت لهذا في تونس اليوم؟ تبدو هذه الحكومة المسكينة وكأنها مولود لا أحد يرغب في تبنيه، أو كأن عرّافة رأس السنة تنبأت بمستقبله الصعب.
المساهمون