المغرب .. سنة رابعة دستور

03 يوليو 2015

اعضاء البرلمان المغربي يستمعون إلى رئيس الحكومة (11 نوفمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -
مرت، الأربعاء الماضي، أربع سنوات، على الاستفتاء الذي أقر به الشعب المغربي دستوره الجديد، في سياق تفاعل وطيدٍ للحالة السياسية الوطنية مع تحولات كل المُحيط الإقليمي العام 2011.
وإذا كان من الموضوعي أن نسجل حضوراً قوياً في الأربع سنوات الأخيرة تواتراً لحالات الجدل الدستوري، وعلى الرغم من أن هذا لا يعني، بالضرورة، ضمانة مؤكدة لنتيجة احترام مقتضيات الدستور، فإنه يؤشر على تحول بيداغوجي في التعامل الجماعي مع القانون الأسمى للبلاد. وفي السياق نفسه، فإنه على مستوى بناء الخطاب السياسي للفاعلين، أصبحت الإحالة إلى دستور 2011 جزءاً من مكونات الحجج المستثمرة داخل الفضاء العمومي، بشكل غير مسبوق.
وعلى قصر التجربة الدستورية الحالية، فإنها تبقى، بدون منازع، التجربة الأكثر تميزاً بتضخم الحديث عن "التأويل"، إذ لا يكاد يتم ذكر دستور 2011، إلا مقترناً بالحاجة إلى "التأويل الديمقراطي"، سواء في خطابات الأحزاب أو الصحافة أو المجتمع المدني، بل وحتى داخل خطاب المؤسسات.

وإذا كان خطاب بعض الفاعلين السياسيين قد ربط بين "نجاح" التجربة الدستورية الحالية وهذا التأويل، فإن قليلاً ما يتم الانتباه إلى أن هذا الحديث المتضخم، هو، في النهاية، دليل على "الحدود الموضوعية للنص الدستوري"، والتي لا تجعله منتجاً آثاره الإيجابية، إلا انطلاقاً من نوعية القراءة التي تقدم له، ما يعني في التحليل نفسه، تعليق أهمية النص، على الطريقة التي سيتمثله بها الفاعلون الأساسيون، وبالتالي، ترك الدستور "رهينة" للحياة السياسية.
يبين "فحص" الوثيقة الدستورية 2011 "قابليتها" القانونية والسياسية لتأويلات متباينة، ليس لأسباب لها علاقة بالصياغة والشكل. ولكن، أساساً لنهوض النص الدستوري على جملة من "التوترات" المهيكلة، وتفتح الباب، موضوعياً، أمام إمكانات تأويلية متعددة.
تتعلق هذه التوترات بتعايش/تنازع المنطقين الرئاسي والبرلماني، داخل هندسة توزيع السلطات، داخل الدستور، ثم بتعايش/تنازع النمطين التمثيلي والتشاركي، داخل تصور هذا الدستور لفكرة الديمقراطية، ثم بتعايش/تنازع مرجعيتي الهوية والمواطنة، داخل البناء القيمي الذي تقترحه وثيقة 29 يونيو/حزيران2011.
أكد توالي وقائع سياسية عديدة أن حضور مظاهر الديمقراطية التشاركية، إلى جانب البعد التمثيلي، قد أنتج أثره المباشر، في صياغة علاقة متوترة بين مؤسسات "التمثيل" وهيئات الحكامة الجيدة. وفي مجال المرجعية الفكرية للوثيقة الدستورية، يعرّض تجاذب خطاب الكونية وحقوق الإنسان مع خطاب الهوية والخصوصية والثوابت الممارسة لتوترات قيمية مؤكدة.
وإذا كان لابد من تقديم خلاصة ما، في هذه المناسبة، يمكن القول إنه لدينا اليوم دستور جديد ومتقدم. لكن، مع ثقافة سياسية قديمة، تتحكم في تطبيقه وتفعيله وتأويله، ما لا يجعل دائماً من احترام "الشرعية الدستورية "القاعدة السائدة، ولا يجعل الحياة الدستورية مطابقة دوماً لكل الواقع السياسي. إذ لا شك أن جزءاً من الدولة، كما يتضح على الأقل من الخطاب الديني الرسمي، يريد أن يحتفظ من الماضي، في بعض الحالات، بفكرةٍ طوّرها الملك المغربي الراحل، الحسن الثاني، هي أسبقية النظام السياسي وأولويته وسموه على مؤسسة الدستور نفسه، كما أن جزءاً من النخب الحكومية وغير الحكومية، تريد، هي الأخرى، في بعض الحالات، أن تحتفظ من الماضي، بفكرةٍ طورها اليسار سابقاً، هي أولوية الثقة على التعاقد المكتوب، وأسبقية السياسي على الدستوري.
يصلح رصد تحولات 'الفكرة البرلمانية" التي انتقلت من بؤرة الخطاب حول الإصلاح إلى موقعٍ متواضعٍ في النص، ثم إلى الهامش في الممارسة وتمثلات الفاعلين مؤشراً محدداً، لقراءة مسار "تنزيل" الدستور، في علاقة بمتطلبات التحول الديمقراطي الذي قدمه الخطاب السائد حول دستو2011، كأحد غاياته الكبرى.
من جهة أخرى، إن استحضار التدافع بين أطروحتي الملكية التنفيذية والملكية البرلمانية، إذا كان قد أفضى، فيما يشبه توافقاً تاريخياً، إلى حلٍ تقفل بموجبه باب الملكية التنفيذية، من دون أن تفتح بالكامل نافذة النظام البرلماني، ما يسمح بإعادة تعريف للمؤسسة الملكية وصية على القيادة الاستراتيجية، وترقية الحكومة إلى وضعية السلطة التنفيذية، باعتبارها جهة خاضعة للمساءلة.
لكن الطبيعة التوافقية للحل الدستوري جعلته يبقى مفتوحاً على تعايشٍ صعبٍ لكلا المشروعين: العودة إلى الملكية التنفيذية أو الانزياح إلى التأويل البرلماني.
لذلك، في بعض الحالات، تريد الدولة أن تبدو أقوى من الدستور وأكبر منه. وفي المقابل، تبدو الحكومة أضعف من الدستور، مثل فاعلين سياسيين عديدين يعانون من أزمة تمثل حاد لدستور 2011، ويستمرون في استبطان روح دستور 1996.



2243D0A1-6764-45AF-AEDC-DC5368AE3155
حسن طارق

كاتب وباحث مغربي