الحالة الفلسطينية بين الجدل والعمل

17 يونيو 2014

فلسطينيات في لجوء إلى الأردن عام 1949 (تشارلز هويت/Getty)

+ الخط -

يحتكم الوضع الفلسطيني إلى منهج العمل في التفكير والسياسة والممارسة للسلطة الوطنية من جهة، وللقوى المعارضة لها، وعلى الرغم من ضجيج تعثر المفاوضات مع إسرائيل، والصخب الزائف بشأن المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ينحو المنهج في مسار تراجعي، تكيفت معه السلطة الفلسطينية، ومارسته فصائل منظمة التحرير، في عقدي التفاوض، لا سيما مع اختلال التوازن أمام ضراوة المحتل الإسرائيلي، ومع هشاشة البنية التي تواجهه بعقلية زائفة، ومفتقدة أياً من عناصر القوة الذاتية لبلورة منهج فكري سياسي. الأمر الذي وجد تعبيراته العملية في الدفع المتنامي للتخلي المتدرج عن ركائز نضال الشعب الفلسطيني وثوابته، والتغذية المستمرة لنزعة الانفصال وفك الارتباط مع الشارع العربي والفلسطيني، للتحرر من أية قيود تشكل ضوابط لحركة تحرر وطني.
توهمت السلطة الفلسطينية في اندفاعاتها و"تكتيكاتها" أنها تحقق إنجازاتٍ جديةً في سياسة المناورة، واللعب في ميدان المفاوضات، فيما كانت، في الواقع، تستند إلى فهم خاطئ، أكثر خطورةً تجاه معادلات الصراع، وهي تستثمر ثقل القضية الفلسطينية ومكانتها، في الدخول الأبدي في سراب المفاوضات. وغاب عنها أن مكانتها ووزنها ينبع من ثقل ووزن القضية التي ترتكز، على مكانة لها محورية وجاذبة لتطلعات الشارع العربي أيضاً. وقد شكلت الانعطافة المترجمة بالقطع الكلي مع الشارع العربي ضربة عنيفة لمنظمة التحرير، وفصائلها وبرنامجها الوطني والتحرري، وهز بنيتها كائتلاف وطني، يضم غالبية الفصائل، على الرغم من ملاحظات يمكن تسجيلها بشأن تماسك هذا الائتلاف طيلة السنوات الماضية، وأثر الانقسام الفلسطيني وتداعياته.
دفعت التحولات في بيئة السياسة الفلسطينية وبنيتها، على الصعيدين، النفسي والمجتمعي، الواقع المشار إليه إلى درجة تناقضية عالية، وأدخلته في دائرة الخطر، ففريق السلطة المعتمد على فهلوة السياسة، والدفع المستمر لتهميش منظمة التحرير ومؤسساتها وفصائلها، واستبدال ذلك كله بسلطةٍ كسبت شرعيتها من اتفاقاتٍ، لم تعكس تطلعات الشارع الفلسطيني، ما زاد من إرباك السياسة الفلسطينية وعجزها.
وتواجه القوى المناهضة للسلطة الفلسطينية، والتي قدمت نفسها وريثة للمنظمة، وأمينة على ثوابت الحق الفلسطيني، إشكاليات جدية، فالعجز وعدم الوضوح حالة ميزت معظم هذه القوى المناهضة أيضاً لمسار التسوية، وثمة التناقض الفاضح بين الشعار والممارسة الذي ترجم بالفشل، كفعل ميداني، ويتردد صداه كلما أوغل الاحتلال في ممارساتٍ، تزيد الهوة اتساعاً بين الشارع الفلسطيني وشعارات السياسة الفلسطينية، المكتفية بإثبات الوجود. وتعي إسرائيل جيدا هذه السياسة، منذ بداية انخراط السلطة في العملية السياسية، وقد مكنتها تلبية استحقاقات التفاوض والاتفاقات "فلسطينياً" من المضي في الاستيطان وتهويد القدس والحصار والعدوان. وتمت مواجهة السياسة الإسرائيلية بدعوات التمني والاستجداء والاستعطاف، للضغط على الجانب الإسرائيلي، وبفعل السياسة "المياوم" برد الفعل الفاقد القوة والآليات، في لحظات الخطر المستمر.


ويجعل امتداد سلبيات المرحلة السابقة، من دون إحداث أي قطع معها، من مستقبل السياسة الفلسطينية وواقع النهج المتبع لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، عرضة لمأزق بنيوي متزايد، وعجز عن التقدم في طريق الخروج من العنق المأسوي للسياسة الإسرائيلية الشديدة الغطرسة والشراسة. ولم تكن الاعتداءات على الخليل وغزة، الأسبوع الجاري، استثناءً وردة فعل، ذلك أن منهج الاحتلال الاستيطاني معبر صريح عن هويته، فيما السياسة الفلسطينية تدور في مستوى من الانحدار غير المتجاوب مع متغيرات الشارع العربي والفلسطيني.
ومعلوم أن الخطاب "الجميل والنبيل" المدغدغ للعواطف لا يصنع نموذجاً نضالياً، ولا يلبي حاجات الواقع الفلسطيني، كما أن الحديث عن أحلام وشعارات لا يمكن أن يعتبر بديلًا عن انخراط حركة تحرر وطني مع واقعها وتغييره، واستيعاب تغير مفاهيم وأشكال تقليدية كثيرة، مصاغة في بيانات موسمية، تُحشر في جمود الخطاب السياسي، المحاط بسلبيات وتشوهات بنيوية، ينبغي إدراكها  للتخلص منها، من أجل إيجاد معادلات ووقائع تكفل، عملاً لا قولاً، وقف انهيار حركة التحرر الوطني الفلسطيني، كمرتكز لأي عملية نهضوية في الإطار الفلسطيني، أو الإطار العربي الذي يشهد تفاعلات نهضوية، ومطلوب ردم هواته التي أحدثتها حالة القطع الفلسطيني مع ما كانت تزدحم به أدبياته في سنوات النهوض الأول.
ومن غير الممكن تخطي حالة العجز والتبعثر، من دون الاستعداد للتفاعل الوطني مع الشارع الفلسطيني، وفهم الخلل المنهجي الذي تعاني منه القوى الفلسطينية التي تعتبر نفسها بديلاً عن حالة التردي التي رافقت عملية التسوية السياسية. وفيما هذا هو الحال، فإن المرجو تحقيقه هو القفز عن الرؤية الضيقة والفصائلية لإنجاز بيئة اجتماعية اقتصادية ثقافية، تستقطب المجتمع الفلسطيني، وتلبي مصالحه وحقوقه المباشرة. وذلك كله لا يمكن إنجازه في معزل عن الصدام مع الاحتلال، وقطع الخيوط المتشابكة معه، تنسيقاً أمنياً واقتصادياً، والإقلاع الأبدي عن الهروب من الاستحقاقات، بإلقاء العبء على الظروف الموضوعية، ومواصلة الهجوم الخطابي، سلاحاً تستخدمه السلطة الوطنية الفلسطينية والفصائل المعارضة مقدمات شرطية للتحول من مستوى الجدل والتبعثر إلى مستوى العمل.

 

 

AF445510-4325-4418-8403-7DA0DAAF58C1
نزار السهلي
كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في فرنسا يقول: طقسٌ رتيب في الرحيل وشقاء ولجوء، يعقبه حلم لا ينطفىء في زمن غير معلوم تحدده الإرادة العليا، هي ملامح سحنتي التي تشبه انتحاب اللاجئين في المُثل الواهمة.