التحرش بالثورة في جمعة النصر

02 نوفمبر 2015
لوحة لكمال بُلّاطه من معرض "وكان النورُ"، لندن، 2015
+ الخط -
لم أصدق في بداية الأمر البيان الذي ألقاه علينا اللواء عمر سليمان في التلفزيون المصري معلنًا فيه أن مبارك قد تنحى عن السلطة. ظننتها خدعة من مبارك ونائبه الثعلب، فمبارك شخص عنيد بطبعه واستسلامه لرغبة الشعب هو أمر يصعب تخيّله. قلت لنفسي ساعتها، لعلّها صفقة بين الجيش ومبارك، يتنازل الأخير بمقتضاها عن الحكم مقابل خروجه الآمن من دون حساب عن الجرائم التي ارتكبها طوال الثلاثين عامًا الماضية. وفي الوقت ذاته، يضمن الجيش عدم تعرض الدولة المصرية للانهيار.

تتلاحق الأخبار سريعًا حولنا، ففي صبيحة تنحّي مبارك، يصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانه الرابع معلنًا فيه التزامه الكامل بالمعاهدات الدولية كافة، التي وقّعتها مصر، ويكلّف الفريق أحمد شفيق - آخررئيس وزراء عيّنه مبارك في أيامه الأخيرة في الحكم - بمهمة تسييرالأعمال حتّى تتشّكل حكومة جديدة، وأصدرت النيابة كذلك قرارًا بمنع سفر أيٍّ من المسؤولين الحاليين أو السابقين من دون إذن مسبق.

يمرّ يومان ويعلن بعدها المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي، أن توليه حكم البلاد سيكون بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر، وسيتم خلالها تعطيل العمل بالدستور كذلك. ثم أصدر قرارًا بحلّ مجلسي الشعب والشورى، وتشكيل لجنة لتعديل مواد الدستور وتحديد شروط الاستفتاء عليها من الشعب المصري.

أقرأ أخبارًا هنا وهناك في صباح يوم 16 فبراير/شباط عن أن المجلس العسكري قد عيّن المستشار طارق البشري رئيسًا للجنة الجديدة المكًلفة تعديل الدستور. وفي اليوم التالي يتمّ القبض على وزير الداخلية، حبيب العادلي، ووزير الإسكان، أحمد المغربي، ووزير السياحة، زهير جرانة، وأحمد عز أمين التنظيم في الحزب الوطني.

اقرأ أيضًا: المثقفون المصريون وسؤال السلطة

أهرب من الواقع إلى عالمي الافتراضي "فيسبوك" فأقرأ تعليقات ساخرة ونكتًا كتبها بعض الأصدقاء فيسبوكيين : "ارجع يا ريس كنا بنهزر معاك". وآخر، يكتب نكتة تسخر من الطريقة التي أطاحت بمبارك : "بعد ما صعدت روح مبارك إلى السماء قابل السادات وعبد الناصر هناك، فسألوه: أنت جيت هنا إزاي.. سمّ ولا منصة؟ فردّ عليهم مبارك بحرقة : لأ..فيسبوك".

وطالتْ سهام السخرية، أيضًا، الرجل الذي كان واقفًا في حالة من الضيق والحزن الشديدين خلف عمر سليمان أثناء إعلانه تنحي مبارك عن الحكم. علمتُ في ما بعد أنه اللواء حسين شريف، وهو قائد في القوات الخاصة. حتى أنني وجدت صفحة جديدة على "فيسبوك" خاصة، باسم "رابطة محبى الراجل اللي ورا عمر سليمان". حيث يمارس رواد هذه الصفحة هواية التندّر حول هوية الرجل، وعمله. فيكتب أحدهم عنه: "حارس أوباما الشخصى.. مورد الأسلحة النووية لصدام.. قائد الاستخبارات فى الاتحاد السوفييتى سابقاً، أحد المقربين لهتلر، يقال إنه شارك فى هزيمة التتار والهكسوس، موحد القطرين، يقف هناك فى كل اللحظات المهمة فى التاريخ. قلّما تجد مثله فى هذا الزمن: الرجل إللي ورا عمر سليمان". وكتب آخر: "المستحيلات أربعة: الغول والعنقاء والخل الوفي وجلوس الراجل الواقف ورا عمر سليمان".
بين النكات، تنساب دعوات وقف السخرية من الرجل، لكن بسخرية أيضاً. فيقول أحد فيسبوكيين: "الإخوة اللي بيتريقوا على الراجل اللي ورا عمر سليمان.. الراجل ده حارب في 3 حروب واستشهد مرتين.. ياريت نقدره وكفاية كده".

أترك مواقع التواصل الاجتماعي وأدخل إلى بريدي الإلكتروني، فأجد رسالة طويلة من الصديقة الأميركية لوري وود منسقة إقامات الكتّاب الفائزين بجائزة بيروت 39. تهنئني فيها على انتصارالثورة المصرية ورحيل مبارك، وتؤكد موعد سفري خلال شهر يوليو إلى "مونتالفو" حيث إقامتي الأدبية هناك في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا مع الشاعر المغربي ياسين عدنان. شكرت لوري على رسالتها وأخبرتها، إنه إن لم يحدث شيء طارئ سأسافر إلى الإقامة.

استيقظتُ، في صباح يوم الجمعة 18 فبراير (اليوم الذي أطلق عليه المصريون "جمعة النصر" وهو الجمعة التالي لتنحي مبارك) وكلي حيرة، وترددت كثيرًا قبل الذهاب عصرًا إلى
ميدان التحرير والمشاركة في الاحتفالات المزمع إقامتها هناك.

ركبت مترو الأنفاق، وأثناء جلوسي في إحدى عرباته، لاحظتُ اصطحاب كثير من النساء أطفالهن، وبعضهن كنّ يحملن طعامًا كثيرًا ومشروبات ولعبًا، كأنهن ذاهبات للاحتفال بالعيد، فأثار هذا الأمر دهشتي كثيرًا. سألتُ واحدة من أولئك النسوة : "أنتم رايحين ميدان التحرير؟". أجابتني السيدة بنعم. وحينما سـألتها عن سبب الذهاب قالت لي بثقة: "رايحين زي كل الناس نحتفل والعيال تفرح ويلعبوا شوية".

اقرأ أيضًا: شارع محمد محمود وقصائد أخرى

كدت أضحك – لولا الخجل - من كلام هذه السيدة البسيطة، فهي لم تكن تتحدث عن إحساس بفرح لرحيل مبارك وزوال فساده و استبداده، هي غالبًا لا تعرف شيئًا عما جرى في البلاد منذ 25 يناير، أو أن هناك ثورة كبيرة قد قامتْ. وخمنتُ من كلامها، أنها تريد أن تجد مناسبة للفرح والتنزه.

وصلت ميدان التحرير بالكاد وسط زحام هائل لا مثيل له. كان ممتلئًا عن آخره، ولفت نظري أن هناك وجوهًا لم أكن قد التقيها فيه من قبل. خصوصًا تلك المجموعات من الصبية المتشردين من سكان المناطق العشوائية في القاهرة - هكذا خمنتُ من ملابسهم وطريقتهم في التزاحم - ومحاولتهم التحرش الجنسي ببعض النساء والفتيات. مشهدهم كان أقرب إلى مشهد اللصوص "النشالين" في الأفلام السينمائية، الذين يصعدون الأتوبيسات العامة المزدحمة ليسرقوا الناس، لكنهم كانوا أشبه بجماعات منظّمة تنتشر في المكان. وبات المشهد أقرب أمامي إلى المولد منه إلى أي شيء آخر.

ناضلت كثيرًا كي أتفادى تحرشات أولئك الصبية، لم يحدث أنني تعرضت لأي تحرش أو سرقة من قبل في الأيام الأولى لثورة 25 يناير. لكن من يدريني الآن، فكل شيء محتمل، خصوصًا مع غياب الشباب الذين كانت مهمتهم حماية مداخل الميدان.

لكن لماذا الكل سعيد من حولي، لا ينغص فرحتهم شيء؟!. بينما أنا قلقة ومرتابة في كل الأحداث؟! هناك شيء ما غامض في الأمر، لا يريحني ويكدرني، فيمنعني حتى من التظاهر بالفرح مثل الآخرين من حولي.

لمحتُ وسط هذا الزحام وتلك الأجواء السوريالية العجيبة الكاتب الصحافي، وائل عبد الفتاح، عرفتُه من شعره المهوش وطريقته في المشي، كان بصحبة عدد من أصدقائه، لم أعرف منهم سوى الناشطة جميلة إسماعيل "الزوجة السابقة لأيمن نور".

سلمت على وائل وأبديتُ اندهاشي مما يحدث حولنا في الميدان، وتعجبي من مبالغة الناس في الاحتفال برحيل مبارك. فما هو التغيير الكبير الذي حدث حتى نعتبر أن الأمر قد انتهى، فنقيم الاحتفالات؟ هل حوكم مبارك على جرائمه بحق المصريين مثلًا؟ كلّ ما حدث حتى يومنا هذا، أن مبارك غادر قصر الرئاسة وسافر إلى شرم الشيخ، وبالتأكيد ليس هذا ما خرجنا جميعًا من أجله.

قاطعني وائل بابتسامة لطيفة لم أفهم مغزاها، قائلًا لي وعيناه تتجولان في الميدان: "بس فيه حاجات كتير مهمة حصلت لازم نفرح بيها". فسألته بفضول : "زي إيه مثلًا؟".
- "تنحي مبارك وحل مجلس الشعب والشورى، ولسه فيه حاجات تانية كتير هتحصل".
اكتفيت عندئذ بتحية وائل، ولم أشأ أن أعطله أكثر عن أصدقائه الذين ينتظرونه ليتجولوا معه في الميدان.

قضيتُ بقية يومي أبحث عن أصدقائي الذين أخبروني بمجيئهم للاحتفال، وكنت حريصة على تجنب المرور في الأماكن المزدحمة جدًا التي يسير فيها هؤلاء الرجال والصبية المتحرشون بالنساء. وأصبحت أكثر انتباهاً لحركة الواقفين حولي، خصوصاً بعد أن بدأت أسمع صراخ بعض الفتيات واستغاثتهن بسبب تعرضهن للتحرشات الجسدية، فيما اشتعلت المشاجرات على الجانب الآخر بسبب تعرض الشباب للسرقات على نحو كبير.

وأيقنت يومها أن ما شاهدته من تحرش ممنهج ضدّ النساء في ميدان التحرير هو بداية التحرش الكبير بالثورة والثوار في ميدان التحرير.

جزء من كتاب تحت الطبع : "الطريق إلى التحرير"
دلالات
المساهمون