البشير يسلب باليسار ما منحه الدستور باليمين

16 ابريل 2014

البشير والترابي معاً في 27 يناير 2014 (Getty)

+ الخط -
 
أوردت وكالة الأنباء السودانية الحكومية "سونا"، يوم 14 إبريل/نيسان الجاري، أن المشير عمر البشير، رئيس جمهورية السودان، أصدر قرارًا جمهوريًا حمل الرقم 158 لسنة 2014، يقضي بتنظيم الأنشطة الحزبية، عملاً بأحكام المادة 58 (1) من دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005. وجاء القرار في أجواء الدعوة إلى الحوار الوطني التي أطلقها البشير نفسه، في 27 يناير/كانون ثاني الماضي، من أجل إيجاد حالةٍ من الانفراج السياسي، في وضعٍ بلغت فيه الأزمة السودانية، والتنافر والاستقطاب الجهوي، حد تهديد كيان البلاد. واستجابت لدعوة الرئيس البشير تلك قوى ذات وزنٍ سياسيٍّ معتبر، كحزب الأمة القومي، بقيادة الصادق المهدي، والمؤتمر الشعبي، بقيادة حسن الترابي.
غير أن هذا القرار الجمهوري، الذي قُصد به تنظيم عمل الأحزاب، يثير المخاوف، ويعوق مسارات الحوار. فقد وردت ضمنه بنودٌ، أرى أنها تسحب باليسار ما يمنحه الدستور باليمين. ويهمني، في هذه المقالة، التعليق على أربعة منها.
جاء في البند الأول من القرار: "لا يكون لأي من الأحزاب السياسية الحق في عقد اجتماعات عامة، وندوات ولقاءات داخل دُورها، أو مقارها، دون الحصول على موافقة مسبقة من السلطة المختصة". ومن نظرة عابرة إلى هذا البند، يستنتج المرء أن القرار لا يمثل سوى رؤية أمنية لحالة الانفتاح التي تدَّعي الحكومة أنها شرعت في بلورتها. فكيف يمكن القول إنه، استنادًا على الدستور، لا يجوز للأحزاب تنظيم ندوات أو عقد لقاءات داخل دورها، إلا بإذن مسبق من السلطات؟! فالقرار بصورته هذه يأخذ الحق، المكفول أصلاً في الدستور للأحزاب، دونما أي قيد أو شرط، ليضعه في يد السلطات. فتصبح أنشطة الأحزاب، حتى داخل دورها، رهينةً بموافقة السلطات. وهذا يجعل الحقوق الأساسية مملوكةً حصرًا للسلطة، فتعطيها أو تمنعها، حسب مقتضى الحال، بناءً على تقديرها هي، وحدها دون سواها!
كفالة الحقوق الأساسية معروفة في دساتير الديمقراطيات العريقة وقوانينها. ولقد مارس السودان الديمقراطية التعددية في حقبة ما بعد الاستقلال ثلاث مرات. وظل التقليد الديمقراطي في التجربة السودانية أنه لا قيد على أي حزبٍ في عقد لقاءات، أو ندوات، داخل داره، بل لا قيد عليه حتى في عقد الندوات واللقاءات في الساحات والمنابر العامة لمخاطبة الجماهير. فقط على الحزب الذي يقوم بالنشاط إخطار السلطات المحلية، بزمان الفعالية ومكانها، لتقوم بدورها في الحماية والتأمين، وحفظ النظام العام، وليس طلب الإذن منها. ولو أصبح النشاط السياسي العادي مقيدًا دومًا بموافقة السلطات، فما الذي يميز بين نظام شمولي وآخر ديمقراطي؟
لا ينبغي أن يكون للسلطة التنفيذية، أو جهاز الأمن، هيمنة على الأنشطة الجماهيرية الحزبية. فلقد جاء في فصل (حرمة الحقوق والحريات)، البند
(48) (رقم 8) من الدستور الانتقالي لعام 2005: "مع مراعاة المادة 211 من هذا الدستور، لا يجوز الانتقاص من الحقوق والحريات، المنصوص عليها في هذه الوثيقة، وتصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأُخرى هذه الوثيقة، وتحميها وتطبقها، وتراقب مفوضية حقوق الإنسان تطبيقها في الدولة، وفقًا للمادة 142 من هذا الدستور". وتتعلق المادة (211) المشار إلى ضرورة مراعاتها، فقط، بسلطات رئيس الجمهورية في حالة الطوارئ.
من أمثلة التناقض الصارخة في القرار الجمهوري القول في البند (2): "يكون للأحزاب السياسية الحق في عقد وتنظيم الندوات واللقاءات الجماهيرية في الميادين والأماكن العامة"، ثم يرد في الفقرة التي تليها: "على الرغم من أحكام البند (2)، يجب الحصول على الموافقة من السلطة المختصة قبل وقت كافٍ لا يقل عن 48 ساعة، لأغراض التأمين والحماية وتنظيم حركة المرور".

بهذا، تكون النتيجة النهائية أنه لا حق لحزب في ممارسة أي نشاطٍ، أو عقد أي لقاءٍ، داخل داره، أو في الساحات والمنابر العامة، أو أي مكان، إلا بعد أخذ إذن من السلطات. ويصبح التعليل بأن هذا التقييد سببه أن تمارس السلطات واجبها في الحماية، وتنظم حركة المرور، مجرد ذرٍّ للرماد في العيون. فالسلطة، كما هو واضحٌ جدًا، تريد أن تستبقي في قبضة يدها مطلق السيطرة على الأنشطة الحزبية.
الفقرة الأكثر غرابةً في هذا الأمر الجمهوري هي الخامسة من البند الثالث، وتقول: "تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية نشاطاتها، وما ينجم عنها من أضرار على الأفراد، أو ممتلكاتهم، أو الممتلكات والمنشآت العامة". هذه الفقرة، في تقديري، نموذجيةٌ لنهج منح الحكومات أجهزة الأمن "حق البطلجة". فقد يأتي "بطلجية" إلى النشاط السياسي المقام، وربما يبعث بهم جهاز الأمن نفسه، ليُحدثوا الفوضى، فتحدث أضرارٌ، ويصبح المسؤول عنها، وفق القرار، الحزب الذي نظم اللقاء الجماهيري، وليس الشرطة التي أُخطرت، لتجيء لتنفيذ مهمتها، المنحصرة في منع الشغب والخروج على القانون!
هذا القرار سيقوي من حجة الرفض لدى رافضي الحوار، ويلقي على عاتق الأحزاب التي رضيت الانخراط في الحوار رفضه. وإن لم ترفضه، تكون الأمور قد عادت إلى بدايات حكم جبهة الإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي، حين كان الترابي جزءًا منها. ويصبح الجديد الوحيد أن الصادق المهدي ركب معها على السرج.