"ظاهرة" دحلان تحاصر "فتح" و"حماس"

20 مارس 2014
المستشار و ولي العهد
+ الخط -

بدا أن الحصار الإسرائيلي، الذي يكابده أهالي غزة وحركة "حماس" لسنوات، بمساهمة من بعض الأنظمة المعادية وتلك التي كانت صديقة في السابق، لم يعد حكرا على القطاع. مع ارهاصاتٍ محتملة لحصار جديد يطال حركة "فتح"، وهي في أتون مأزقها التفاوضي، وتحت ضغط أميركي لقبول تسوية ملائمة لمصالح تل أبيب.

استشعار الأزمة في حركة فتح، دفع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في أقوى تصريحات له خلال اجتماع للمجلس الثوري؛ باتهام مسؤول الأمن السابق محمد دحلان، -ليس لأول مرة- بالضلوع في اغتيال ستة قيادات بالحركة في غزة، فضلا عن التخابر مع إسرائيل بغرض تصفية القائد العام لكتائب عز الدين القسام التابعة لحركة "حماس" صلاح شحادة، والاتهام صراحة بالتورط في اغتيال الشهيد ياسر عرفات.

في المقابل، رد دحلان التهم عنه، واصفا عباس بالشخص الضعيف فاقدِ الشعبية، وذلك لدى استضافته من قبل قناة مصرية خاصة، معروفة بتأييدها لانقلاب 3 يوليو/ تموز 2013 على رئيس مصر المنتخب بعد ثورة 25 يناير.
واتهم مسؤول الأمن السابق، عباس بأنه كان مخبرا للرئيس المعزول محمد مرسي. محرضا الحكومة المصرية الحالية عليه بشكل صريح وعلني.
   
الشد والجذب في الأيام الماضية، كان نتاج الخلاف بين الطرفين في العام 2010، وتُرك القرار بشأنه للمحكمة الحركية، التي قضت بفصل دحلان من عضوية اللجنة المركزية بتهم تتصل بالخيانة والفساد. كما فُصل مساعداه الرئيسيان، مسؤول الأمن رشيد أبو شباك، والقيادي سمير مشهراوي. ومؤخرا اتخذ قرار بتجميد رواتب كل من يتلقى أموالا من دحلان. وتنفق السلطة الفلسطينية من ميزانيتها على نحو 75 ألف موظف في غزة، تركوا وظائفهم، بعد سيطرة حماس على القطاع بالقوة.

وأساس الخلاف، بدأ مع تحميل دحلان المسؤولية عن انفصال قطاع غزة سياسيا عن السلطة الفلسطينية في العام 2007، لتتضح لاحقا علاقته بالجنرال الأميركي المتقاعد كينث دايتون وبأجهزة أمن إسرائيلية وبريطانية وأميركية، بررها جميعا بحكم عمله كمسؤول أمني.
كما ارتبط اسم دحلان أيضا، بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة شتاء 2008-2009، وبأنه كان مؤيدا للحرب من أجل اطاحة حكومة حماس هناك.

التهديد الذي مثله دحلان للرئيس عباس، رغم تقليل قيادات "فتح" علانية من حجم شعبيته، تمثل بصعود مسؤول الأمن السابق، إلى واجهة الأحداث مع اندلاع الثورات المضادة، حيث أصبح اسما يتردد في الأوساط السياسية والأمنية العربية، ويحظى باهتمام لافت لدى كل من دولتي الامارات وحكومة مصر الحالية، اللتان توافقتا مع السعودية على مناهضة المطالب الشعبية بالديمقراطية، بذريعة أنها مخطط للإخوان المسلمين من أجل الاستيلاء على الحكم في أكثر من بلد.

ويشار إلى أنه تزامن وجود دحلان في أبو ظبي، باغتيال المسؤول في حركة حماس محمود المبحوح في أحد فنادق إمارة دبي على يد الموساد الإسرائيلي مطلع العام 2010، ما زاد من الشكوك من حوله.

تلك القضية تصدى لها قائد شرطة دبي حينها الفريق ضاحي خلفان، نائب مسؤول الأمن العام في الإمارة حاليا، وأفضت إلى اتهام 37 إسرائيليا، تحمل جوازات مزورة، بالضلوع في عملية الاغتيال، لكن التفاصيل لم تكن لتظهر إلى وسائل الاعلام لولا أن أعلنت حماس من دمشق ان المبحوح قضى اغتيالا، وليس كما أعلن ضاحي خلفان في البداية انه توفي بشكل طبيعي.

وجود دحلان في دولة الامارات، مكّنه أيضا من العمل على إعادة بناء قاعدة فلسطينية له، مستخدما الأموال التي وُفرّت له، للعمل في قطاع غزة المحاصر وفي مخيمات لبنان، وصارت تتبع له شبكات إعلامية مثل "الكوفية برس" و"أمد" وتلفزيون "الغد العربي"، فضلا عن استضافته على القنوات المصرية الخاصة وقنوات الامارات المحلية بشكل شبه دوري، كما تردد أنه يدير عبر مختصين شركة أمنية خاصة، ومؤسسة تدريب للمجتمع المدني مسجلة في سويسرا.

ونشط دحلان في دعم الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ولم يخف علاقته بالمشير عبد الفتاح السيسي، وتسربت أنباء عن طلبه من القيادة المصرية الحالية في العام الماضي، بتقديم دعم لحركة "تمرد غزة" من أجل إسقاط حركة حماس.

ولقد التقى السيسي بدحلان في يناير/ كانون الثاني الماضي أيضا، وكرر الأخير طلبه بضرورة اسقاط حماس، دون معاقبة فلسطيني القطاع، حسب ما تردد. وارتبط اسم دحلان أيضا بالمسؤول التنفيذي في شركة "ارابتيك" حسن أسميك، الذي تعهدت شركته ببناء بمليون وحدة سكنية في مصر دعما لحكومة الانقلاب.

كما تردد اسمه في دعم نشاطات مناهضة للثورة في تونس وليبيا. ويرى البعض أن ما يقال ضده فيه مبالغة، مُرجحين أنه مجرد أداة، وترددت أقاويل عن دور أنيط لدحلان من أجل إثارة الأزمات بوجه حكومة رجب طيب أردوغان لرفضها الانقلاب في مصر ودعمها الثورة السورية. كما يتهم بدعم جهات في فلسطين المحتلة العام 1948 لتحقيق أجندة إسرائيلية، وتقديم دعم مالي للنائب العربي أحمد الطيبي.

ورغم علاقة محمد دحلان مع ولي عهد أبو ظبي، إلا أنه لم يلحظ تدهورا علنيا في العلاقة الرسمية بين السلطة الفلسطينية ودولة الامارات، وغمز عباس من قناة الامارات، عندما ذكر أن دحلان صرح لصحيفة البيان التابعة لحكومة دبي، في العام 2004 بأن دور عرفات قد انتهى.

في حين أن أبو ظبي، جمدت لفترات أموال المساعدات إلى رام الله ولم تقطعها نهائيا، لكنها أوقفت مشاريعها في قطاع غزة منذ أسابيع قليلة، وأوقفت تأشيرات العمل للفلسطينيين هناك، ما زاد من معاناة الحصار الذي أطبقته بشكل كلي حكومة الانقلاب على غزة.

وتردد أن أبو ظبي سعت في عامي 2012 و2013 إلى إعادة دحلان إلى رام الله وتسويه خلافاته مع عباس، ومن ثم عرضت قبول دحلان نائبا للرئيس الفلسطيني مقابل دعم مالي. وهو الأمر الذي رفضه رئيس السلطة الفلسطينية.

وبحسب مصادر على صلة مباشرة بأطراف الخلاف، تأكد عقد لقاءات برعاية إماراتية، جرت في عمّان العام الماضي بين مسؤول "فتح" عزام الأحمد والمقرب من دحلان، سمير مشهراوي، لانهاء الخلاف مع عباس، لكن الأخير رفض أي تنازل بهذا الشأن، متهما دحلان بأنه قاتل ولا يمكن التصالح معه.

يثير وقوف الإمارات خلف دحلان عدة تساؤلات بشأن أهمية ذلك في السياسة الخارجية الإماراتية، وبحسب ما ورد في وسائل الاعلام الإسرائيلية نقلا عن وثائق لوزارة مالية الاحتلال، تبين أن الامارات وإسرائيل يقيمان علاقات دبلوماسية غير علنية من خلال مكتب تجاري في دبي، وأن أبو ظبي استقبلت سرا إسحاق مولخو، المفاوض الإسرائيلي، الذي التقى دحلان. وبحسب الصحف الإسرائيلية بحث اللقاء عن بدائل لعباس، وكان ذلك في خضم فترة النقاش حول خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري أو التي عرفت باتفاقية الإطار.

ويرى محللون أن نجاح الثورات المضادة يتطلب إفشال مسببات الثورات ذاتها، حيث تنظر الأنظمة المناهضة لها بانها حركات فوضوية أسبابها اقتصادية، لكن ذلك غير كاف دون انهاء للصراع العربي الإسرائيلي، ويروج اسم دحلان من هذا الباب بأنه الشخص القادر على الوصول إلى اتفاق مع الإسرائيليين والقادر على كبح حركة حماس.      

هنا، لا يتمتع الرئيس الفلسطيني إلا بخيارات محدودة، وهامش مناورة ضيق، مع قرب انتهاء جولة مفاوضات جديدة دون حل سياسي. وقال عباس مؤخرا لمقربيه "أنه اقترب من عتبة الثمانين ولن يوقع على اتفاق خيانة للشعب الفلسطيني".

ولذا فإن كلا من "فتح" و"حماس" أحوج اليوم للوحدة وليس فقط المصالحة، وبشكل يتجاوز بروتوكولات توقيع الاتفاقيات من مكة فبراير/ شباط 2007 ولغاية إعلان الدوحة في فبراير/ شباط 2012.

في العام 2003 وبينما كان عرفات محاصرا وحيدا في المقاطعة، أصرت الولايات المتحدة على تعيين عباس رئيسا للحكومة، كان هو المفاوض الرئيسي في قمة العقبة، والشخص الذي حظي بمديح الرئيس جورج بوش .. عند نفس النقطة، بدا عباس أيضا اليوم محاصرا سياسيا بين واشنطن وتل أبيب.

المساهمون