"الأهواء" الأفريقية والمحكمة الجنائية الدولية

04 نوفمبر 2017
+ الخط -
لم يكن مفاجئا قرار بوروندي، أخيرا، انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، وهو سابقة تاريخية، وربما فريدة، فقد تقدمت بطلبها هذا منذ عام، بموجب المادة 17 من قانون روما المنشئ للمحكمة. وقد طرح هذا الانسحاب تساؤلات عن دوافعه، وما إذا كانت موضوعية أم خاصة ببوروندي، أم بالدول الأفريقية عموما، في ظل ما يردده بعض قادتها من أن المحكمة تعمل ضد الأفارقة فقط، وبمثابة أداة جديدة للاستعمار، ثم وهذا هو الأهم: هل تتبع انسحاب بوروندي انسحابات أفريقية أخرى، والدول الأفريقية أكبر كتلة في المحكمة (34 دولة من 124)، وما هي البدائل الأفريقية في هذه الحالة؟
قد يكون مفيدا بداية التأكيد على أن أحد دوافع نشأة المحكمة التي تختص بالنظر في قضايا العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، هي الحرب الأهلية في رواندا عام 1994. وقد شارك الأفارقة بقوة في إعداد مسودة اتفاقية روما، وشكلوا أكبر كتلة تصويتية قامت بالتوقيع والتصديق عليها. لكن ربما لم يدركوا أنها قد تتدخل، في حالات ترفض هذه النظم تدخلها بها وفق مبدأ السيادة الوطنية، وهو ما اتضح بعد صدور قرار توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير عام 2008 على خلفية أزمة إقليم دارفور.
أصرت بوروندي على الانسحاب، على الرغم من تراجع دول أخرى عنه، جنوب أفريقيا
 (مارس/ آذار 2017)، غامبيا (فبراير/ شباط 2017)، ما يعني أنها ربما تكون الوحيدة المتفرّدة في هذا الشأن، لاسيما مع عدم تقديم دول أخرى طلبات انسحاب في الآونة الأخيرة. ويرتبط هذا الإصرار بتحقيق المحكمة الدولية في الأحداث التي شهدتها البلاد على خلفية الانتخابات الرئاسية في 2015. والتي أصرّ الرئيس بيار نكورونزيزا على المشاركة فيها، على الرغم من أنها الولاية الثالثة له، ومقاطعة المعارضة لها، وما ترتب على ذلك من اندلاع أعمال عنف أسفرت عن مقتل 500 شخص، وفرار أكثر من ربع مليون خارج البلاد، وورود تقارير للمحكمة عن عمليات قتل وسجن وتعذيب وعمليات اغتصاب، وأشكال أخرى من العنف، وحالات اختفاء قسري، ارتكبتها قوات الأمن هناك. وعلى الرغم من تأكيد المحكمة أن الموضوع قيد التحقيق، إلا أن رئيس بوروندي يبدو أنه شعر بالحرج، واتخذ هذه الخطوة الاستباقية، على الرغم من أن المادة "17-2" من ميثاق المحكمة تحتم على الدولة التعاون مع المحكمة في أي قضايا متداولة قبل الانسحاب".
ربما يكون اتهام القادة الأفارقة للمحكمة بأنها تنظر في قضايا ضدهم فحسب صائبا بعض الشيء، لكن هذا التعميم غير دقيق. صحيح أن هناك ثماني دول أفريقية من إجمالي تسع تنظر المحكمة في ملفاتها، إلا أن بعضها صدرت فيها قرارات تنصف قادتها، كحالة أوهورو كينياتا في كينيا، حيث تمت تبرئته واثنين من مساعديه لعدم كفاية الأدلة، كما أنصفت المحكمة هذه النظم في مواجهة خصومهم السياسيين، مثل حالات، موسيفيني في أوغندا في مواجهة زعيم جماعة جيش الرب المتمرّدة، جوزف كوني، والرئيس العاجي، الحسن واترا، في مواجهه خصمه السابق الرئيس لوران غباغو، والرئيس كابيلا في الكونغو الديمقراطية في مواجهة المتمرّدين في الشرق. ولذا كان هناك ترحيب أفريقي بقرارات المحكمة في هذه القضايا. لكن الحال تبدل إلى الرفض والرغبة في المقاطعة بعد قرارها توقيف كينياتا، أوجد تحريضا من كينيا والسودان تحديدا، على عدم تعامل الاتحاد الأفريقي معها بداية، ثم الانسحاب منها، على الرغم من معارضة دول أخرى، مثل الجزائر وبوتسوانا وساحل العاج ونيجيريا والسنغال وتونس.
إذن، لا تستهدف المحكمة الرؤساء الأفارقة، بل هي تعتبر، وفق ميثاقها، أداة مكملة للقانون 
الوطني، وفي حالة عجز هذا القانون عن التحرّك لأسباب موضوعية أو سياسية، تتدخل من تلقاء نفسها (كحالتي كينيا وليبيا)، أو بناء على قرار من مجلس الأمن (السودان)، أو بناء على طلب إحدى الدول الأعضاء. كما أنها لا تقتصر على نظر القضايا الأفريقية فحسب، وإن كانت هي الأغلب، وإنما تنظر في قضايا أخرى غير أفريقية تتعلق بأفغانستان، وأوكرانيا، وفلسطين، وكولومبيا، وجورجيا والتدخل البريطاني في العراق وغيرها.
دفع خوف الزعماء الأفارقة من أن تكون المحكمة سيفا مسلطا على رقابهم، في مواجهة شعوبهم أو خصومهم، إلى استحداث وسائل أفريقية، لكن تفعيلها أيضا خضع للأهواء كذلك، ومن ذلك قرار قمة الاتحاد الأفريقي بالإجماع في بانغول 2006 بإنشاء الغرف الأفريقية الاستثنائية (محاكم خاصة)، وكانت أولى المحاكمات خاصة بالرئيس التشادي السابق، حسين حبري، الذي لجأ إلى السنغال، حيث لم يتم تفعيل المحكمة ست سنوات بعد رفض الرئيس السنغالي في حينه، عبد الله واد، ذلك، لخشيته من تعميم مبدأ محاسبة الرؤساء، وبسبب الروابط التاريخية بينه وبين حبري الذي ينتمي للطريقة التيجانية. ولم يتم تفعيل المحكمة التي تشكلت من قضاة سنغاليين ومن بوركينافاسو، الا في عهد خلفه ماكي صال، وانتهى الأمر بالحكم على حبري العام الماضي بالسجن المؤبد.
ومن هنا، قد ينجم عن عدم تفعيل هذه البدائل الأفريقية هناك صعوبات كثيرة في عملية الانسحاب من المحكمة، نتيجة ضغوط داخلية أو خارجية أو الإثنين معا، ففي جنوب أفريقيا حرّك حزب المعارضة الرئيسي دعوة قضائية ضد الحكومة، بشأن قرارها الانسحاب، من دون تشاور مع البرلمان. وكانت النتيجة صدور قرار ملزم بالتراجع عن هذا الانسحاب. ومعنى هذا أن خطوة بوروندي ربما تكون الأولى والأخيرة أيضا على الصعيد الأفريقي، على الأقل خلال المدى المنظور.
B8DDCC55-8075-41F9-A617-4F3EA9A3A8C9
بدر شافعي

كاتب وباحث مصري، يحمل الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، له كتابان عن تسوية الصراعات في إفريقيا، وعن دور شركات الأمن في الصراعات.