مستلزمات رمضان... تكلفة إضافية تنهك الأسر المصرية

19 مارس 2023
تزاحم على معرض حكومي لبيع مستلزمات رمضان (العربي الجديد)
+ الخط -

ترتفع الأسعار في مصر عادة مع اقتراب شهر رمضان، وتكون الارتفاعات أكبر منها في بقية أوقات العام، ويحل شهر الصوم مع قائمة من المتطلبات الموسمية، إذ يزداد إقبال المصريين على أصناف مختلفة من الأطعمة والمشروبات.
ينبّه موظف الأمن الواقف أمام بوابات معرض "أهلاً رمضان" للمواد المدعمة التابع لوزارة التموين المنتظرين إلى أن كل فرد يحق له عبوتان فقط من الأرز والسكر والزيت، ما دفع رحاب محمد، وهي ربة منزل، إلى الاتصال بابنتها كي تحضر بصحبة أبيها، ثم يدخل كل منهم منفرداً ليحصل على حصة. تقول لـ"العربي الجديد": "نفعل ذلك كي تكفي الكميات لأطول وقت ممكن في رمضان. الأصناف ليست جيدة، لكن الجودة غير مهمة، فالمهم ما يُشبع البطون، وزوجي يعمل في مجال المعمار، ولا يعمل كل يوم، ولا نحتمل زيادات الأسعار الرهيبة".   
في الشارع المقابل للمعرض كان فرع أحد المتاجر الكبرى خالياً إلا من عدد محدود من الزبائن، فالأسعار هناك أعلى، وتتغير كل فترة. تخطو المحامية ياسمين عبده في تردد تجاه قسم اللحوم لشراء مستلزمات شهر رمضان. هي تعمل في أحد البنوك الخاصة، وتعتبر نفسها من ذوي الدخول الجيدة، لكنها تتحسب لدخول الشهر الفضيل، وتقول إنه "كان موسماً بهيجاً يترقبه الجميع بشغف، لكن بات تدبير احتياجاته هماً ثقيلاً في السنوات الأخيرة".
تشرح ياسمين لـ"العربي الجديد": "اعتدنا في السابق تدبير احتياجات رمضان قبله بأسابيع، تحسباً لارتفاع الأسعار، وكنا نتدبر المال اللازم للشراء من فوائض مرتبات الشهور السابقة، واليوم لا توجد فوائض، ما يجعلنا نتدبر الاحتياجات بصعوبة بالغة. استبعدت الياميش (مكسرات وفواكه مجففة) من قائمة المشتريات، وضغطت العديد من النفقات، وأجلت أخرى، وربما أضطر إلى مزيد من التنازلات المؤلمة لو انتظرت أسبوعاً آخر لشراء المتطلبات". 

تفاقم ارتفاع الأسعار في أعقاب سلسلة من التخفيضات لقيمة العملة المصرية

نفس الحيلة لجأ إليها عمر، وهو موظف حكومي، يقول إنه يعيش وحيداً، ويكفيه راتبه من وزارة العدل، لكنه رغم ذلك قرر الاستغناء عن الياميش كي يتمكن من تجهيز "كرتونة رمضان"، وهي تشكيلة من المواد الغذائية التي اعتاد على تجهيزها سنوياً لمساعدة الفقراء من الجيران.

اكتشف عمر أن كلفة الكرتونة الواحدة قفزت إلى نحو 120 جنيهاً (أربعة دولارات)، رغم أن مكوناتها أقل من العام الماضي. تحتوي الكرتونة على زجاجة زيت صغيرة، وكيس من كل من السكر والأرز والمعكرونة والفول والعدس، والكيس المقدر بكيلوغرام وزنه الحقيقي 900 غرام. يقول لـ "العربي الجديد": "الأوضاع صعبة على البسطاء، وباتت توجب على كل قادر أن يتنازل عن الكماليات لمساعدتهم، كما أن الإقبال الكثيف على المتاجر يفاقم زيادة الأسعار".

وقالت وكالة "بلومبرغ" الأميركية في تقرير حديث إن "التضخم يزداد في مصر بشكل يفوق التوقعات"، ووصفت سيناريو رمضان القادم بـ"القاتم"، متوقعة أن ترتفع الأسعار على المدى القصير، مدفوعة بارتفاع متوقع في كلفة الوقود، وزيادة الطلب خلال شهر رمضان.
وحسب بيانات "الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء" (حكومي)، قفز تضخم أسعار المستهلك في السوق المصرية خلال يناير/كانون الثاني الماضي، إلى 26.5 في المائة على أساس سنوي، صعوداً من 21.9 في المائة في ديسمبر/ كانون الأول، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ ديسمبر 2017، عندما ارتفع بنسبة 26 في المائة.
وكشفت البيانات أن أسعار المواد الغذائية والمشروبات قفزت بنسبة 48 في المائة، في حين ارتفعت أسعار الحبوب والخبز بنسبة 63.5 في المائة، واللحوم والدواجن بنسبة 56.3 في المائة، والأسماك بنسبة 56.9 في المائة، والألبان والجبن والبيض بنسبة 60.3 في المائة، والخضروات بنسبة 33.5 في المائة.
ويأتي هذا الارتفاع الكبير في أعقاب سلسلة من التخفيضات لقيمة العملة المصرية بدأت في مارس/ آذار 2022، ليفقد الجنيه المصري نحو 50 في المائة من قيمته خلال العام الأخير، فضلاً عن تأخير طويل في إدخال الواردات إلى البلاد بسبب نقص كبير في العملات الأجنبية.

لا يملك كثيرون القدرة على شراء مستلزمات رمضان (العربي الجديد)
لا يملك كثيرون القدرة على شراء مستلزمات رمضان (العربي الجديد)

يعمل زاهر فتحي في مهنة "النقاشة"، وهي إحدى مهن قطاع الإنشاءات، وينظر إلى شهر رمضان باعتباره "ضيفاً ثقيلاً"، ويقول إنه سيمضي الأيام الأولى منه متجاهلاً متطلباته، إذ ترتفع فيها الأسعار لأعلى مستوياتها كل عام، ثم تهبط في الأسبوع الثاني، أو هكذا يأمل.
وفي جولة داخل أحد معارض "أهلاً رمضان" رصدنا بلوغ سعر كيلو الدقيق 15 جنيهاً، ويتراوح سعر الأرز ما بين 16 إلى 16.5 جنيهاً، وسعر كيس المعكرونة ما بين 6 إلى 8 جنيهات، ويباع كيس السكر بسعر يتراوح بين 14 و15 جنيهاً، وتقل هذه الأسعار بنحو ستة جنيهات كاملة عن مثيلتها في السوق.

وترى طبيبة التغذية ولاء سرور أنه من غير المقبول التزاحم على معارض مستلزمات رمضان لتكديس السلع، لأن هذا يفاقم الأزمة، ويؤدي إلى الوقوع في فخ الاستغلال الفاحش للتجار في ظل غياب الرقابة الحكومية. وتقول لـ "العربي الجديد": "هناك بدائل يمكن للشخص الاعتماد عليها، سواء في رمضان أو غيره، لتعويض نقص بعض المواد الغذائية، أو ارتفاع أسعارها. التمور مثلاً بديل غذائي متكامل، وأسعار التمور ما زالت في المتناول، وهي وصفة نبوية لإشباع الأطفال والكبار، وقيمتها الغذائية عالية، إذ تضم الحديد والكالسيوم وفيتامينات وبروتينات قلما تجتمع في صنف واحد".
لا يحمل ربيع، وهو حارس عقار في الجيزة، همّ قدوم شهر رمضان، فمنذ جاء من محافظة المنيا (جنوب)، وهو يعتمد على "موائد الرحمن"، و"شنط الخير"، مضيفاً لـ "العربي الجديد": "يصلني ما يفيض عن حاجاتي من الطعام في رمضان عبر الجمعيات الخيرية، وسكان البناية الذين يتبرعون بما يستطيعون، رغم أن جميعهم من متوسطي الحال. تقوم زوجتي بتخزين ما يمكن تخزينه، مثل أكياس الأرز والمعكرونة والسكر التي نتلقاها من مساعدات الخيرين، ونقضي معظم رمضان على موائد الرحمن، ثم نستهلك ما قمنا بتخزينه بعد رمضان لأسابيع".

وتقدمت البرلمانية أمل سلامة بطلب إحاطة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، حول خطة الحكومة لوضع حد لزيادة أسعار اللحوم والدواجن والأسماك، ومواجهة جشع التجار قبل حلول شهر رمضان، ولفتت إلى إخفاق الحكومة في لجم الأسعار التي شهدت ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع الغذائية كافة، رغم تحقيق مصر معدلات مرتفعة من الصادرات الزراعية وفقاً للأرقام الرسمية. وتساءلت النائبة: "لماذا ارتفعت أسعار الدواجن إلى نحو مائة جنيه (تخطت 150 جنيهاً بعد تقديم الطلب بأيام)، وكرتونة البيض 130 جنيهاً، رغم أن مصر لديها اكتفاء ذاتي من الدواجن والأسماك، وتحتل المركز الأول أفريقيّاً في إنتاج الأسماك، والسادس عالميّاً في الاستزراع السمكي؟".
وطرحت شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، وهي إحدى شركات وزارة التموين، 41 نوعاً من ياميش رمضان في فروعها بأسعار مخفضة عن مثيلاتها في السوق بنسبة تصل إلى 20 في المائة، كما سعت الغرفة التجارية بالقاهرة لاستيراد كميات من الدواجن بهدف سد النقص قبل شهر رمضان، إذ يتجاوز نقص الدواجن بالسوق المحلية 40 في المائة وفق بيانات رسمية.

بدورها، ضاعفت وزارة الداخلية عدد السلاسل التجارية التابعة لها، ضمن مبادرة "كلنا واحد"، لتصل إلى 31 سلسلة تجارية بإجمالي 1074 فرعاً على مستوى الجمهورية، فضلاً عن إقامة 4 معارض رئيسية في محافظتي القاهرة والجيزة، و36 معرضاً فرعياً أمام السلاسل التجارية المشاركة في المبادرة، بالإضافة إلى عدد من "السرادقات" بالميادين الرئيسية في المحافظات كافة، وفق بيان للوزارة.
تقف رحاب محمد أمام معرض "أهلاً رمضان" في شارع فيصل بالجيزة، حيث يشهر أحد الخارجين من المعرض أصبعه الملون بالأزرق ساخراً من رفاقه المنتظرين، إذ يشترط البائع في منفذ التموين صبغ الأصبع تمييزاً له، حتى لا يعود مجدداً للحصول على المزيد من السلع المدعومة. فجأة، يقول موظف الأمن للمنتظرين إن "كميات الأرز والسكر المدعومة نفدت من المعرض، وبقية المتوافر سيتم بيعه بسعر السوق". وحين عاودت رحاب إحصاء النقود التي تحملها، قررت أن تغادر المكان، على أن تحاول مجدداً في اليوم التالي، عسى أن تتوفر كميات جديدة من السلع المدعومة. 

المساهمون