بيوت العراق تتحول إلى أكواخ

17 أكتوبر 2020
بيوت صغيرة وعشوائية في الموصل (صافين حامد/ فرانس برس)
+ الخط -

لم تحافظ العديد من المدن العراقية على هويتها العمرانية في بناء المساكن بأسلوب أفقي، علماً أن المباني كانت تتصف بواجهاتها المعمارية الجميلة ومساحاتها الواسعة التي تتراوح بين 400 و1500 متر مربع. وفرضت الحروب على بلاد الرافدين واقعاً جديداً في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وزيادة عدد السكان في البلاد بواقع الضعفين خلال السنوات العشرين الماضية، فضلاً عن بخل الدولة في توزيع الأراضي التي تتطلب توفير خدمات أساسية لها كالماء والكهرباء وغيرها وتكاليف البناء العالية مقارنة بالسابق. كما ساهمت عوامل أخرى، منها انشطار العائلات الكبيرة والتهجير والنزوح وتجريف الأراضي الزراعية، في تغيير شكل ومساحة بناء المنازل التي تحولت من بيوت ذات مساحات كبيرة إلى أخرى بمساحات تصل إلى 50 متراً مربعاً، منها ما شيد في حدائق المنازل الكبيرة، وهو ما بات ظاهرة انتشرت كثيراً عقب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

أحياء سكنية بملامح مختلفة
لا ينحصر الأمر في العاصمة العراقية بغداد، بل تشهد جميع المدن تغيراً في ملامح أحيائها السكنية وتقسيم المنازل ذات المساحات الكبيرة إلى أربعة منازل أو أكثر تُعرف بالمشتملات أو الشقق الصغيرة. وغالباً ما يفضل العراقيون السكن في الطابق الأرضي والأفقي بدلاً من البناء العمودي أو العمارات، وهذا ما حول العديد من البيوت السكنية التي تضم مساحات واسعة ما بين 400 إلى 600 متر، إلى مشروع استثماري من قبل أصحابها، ولكل منهم أسبابه، يقول أبو مصطفى الجنابي لـ "العربي الجديد".
يتابع الجنابي، وهو موظف حكومي: "كنت وأشقائي الثلاثة وشقيقتي نسكن في منطقة الشعب. وبعد تهجيرنا من منزلنا الذي كانت مساحته 450 متراً، عرضناه للبيع وتقاسمنا المبلغ وابتعت قطعة أرض بحصتي مساحتها 70 متراً في منطقة أبي غريب. بنيت ثلاثة أدوار حتى تكفي لأبنائي المتزوجين والذين لا يملكون المال لشراء أو استئجار منازل مستقلة. أما شقيقي، فاشترى أرضاً زراعية لا تتجاوز الـ 50 متراً زراعياً.

أرباح خيالية
يسمح القانون العراقي بتقسيم البيوت ذات المساحات الكبيرة إلى بيوت عدة. مثلاً، إذا كانت مساحة البيت 600 متر مربع، فيمكن تقسيمه إلى ثلاثة بيوت، وكل بيت يكون له سند خاص. ولعل الاستفادة من تقسيم البيوت ذات المساحات الكبيرة وبيعها على شكل مساحات صغيرة، 50 أو 70 متراً مربعاً، ولأكثر من مرة، يعني أن هناك تبعات مالية تترتب على هذا الأمر عند كل عملية بيع وشراء، وهي دفع مبلغ 6 ملايين دينار (نحو خمسة آلاف دولار)، لمن يبيع جزءاً من منزله، وهذه المبالغ تفوق الرسوم والضرائب المستقطعة من قبل أمانة بغداد ودوائر العقارات، في إشارة إلى أن ذلك متبع في جميع مناطق العاصمة بغداد كإجراء رادع لتقسيم المنازل.

من جهته، يقول نصيف جاسم، لـ "العربي الجديد": "هناك تغير كبير في عملية بيع وشراء المنازل عما كان عليه الحال في السابق. العوامل المؤثرة تختلف عما كانت عليه قبل عقدين من الزمن، فقد كان متوسط مساحة المنازل في العراق 300 متر مربع. أما اليوم، فيمكن القول إن مساحة البيوت تتراوح بين 100 و120 متراً مربعاً. فالظروف الاقتصادية الصعبة وموقع السكن، أدى بشكل أو بآخر إلى تصغير مساحة المنزل خمسة أضعاف، علماً أن مساحة المنزل في ديالى لم تكن تقل عن 240 متراً مربعاً إلا في ما ندر. أما اليوم، فيمكن لهذه المساحة أن تكون لأربعة منازل على الأقل.
ويؤكد جاسم، وهو صاحب مكتب الصادق لبيع العقارات في محافظة ديالى، أن "الكثير من أصحاب البساتين تخلوا عن مزروعاتهم من خلال جرف الأراضي وتقسيمها إلى مساحات صغيرة وبيعها على هذا الأساس. الأمر الذي ساهم أيضاً في تغيير شكل المدن التي كانت بيوتها تجذب الأنظار بمساحاتها الكبيرة وبنائها الحضاري الفاخر، على عكس التي نراها اليوم، والتي باتت عبارة عن عشوائيات وواجهات صغيرة لا تصلح إلا لدكان صغير. لكن هذا هو المطلوب حالياً في سوق بيع العقارات".
حول ذلك، تقول منى محمود، مواطنة من محافظة ديالى، إنها تركت وعائلتها خمسة منازل في ديالى بعد نزوحها وتهجيرها أكثر من مرة، علماً أن مساحة كل منزل لم تكن لتقل عن 300 متر مربع.

أما اليوم، فتقول "إننا نسكن في منزل زراعي، مساحته 100 متر مربع داخل منطقة الدورة في بغداد". وتشير إلى أن فصل الأراضي السكنية يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة. على سبيل المثال، فإن سعر المتر في بعض مناطق بغداد على غرار منطقة العامرية يتراوح بين 2 و4 ملايين دينار (نحو 3300 دولار)، وربما أكثر بحسب الموقع. لذلك، يلجأ الناس إلى شراء الأراضي الزراعية بعد تجريفها لأنها أقل سعراً، خصوصاً إذا كانت بعيدة عن مركز العاصمة، وهو ما ينطبق على باقي المدن العراقية.
وكان مجلس الوزراء العراقي أصدر، في وقت سابق، قراراً يقضي بمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية إلا بثلاثة شروط، وهي أن يكون البناء غير مخالف للتصميم الأساسي، وأن يكون مبنياً بشكل مجمع سكني، وأن يكون البناء من المواد الثابتة. لكن تلك الشروط لم تتحقق في الغالب مع غياب الدور الرقابي في متابعة المخالفات القانونية والتجاوزات الحاصلة في بناء المساكن.

المساهمون