نافع نافع: رجل الحزب الحاكم بالسودان يفشل في "لحس الكوع" ويرفع الراية

12 أكتوبر 2018
نافع كان سابقاً أحد أقوى القياديين في الحزب الحاكم(فيسبوك)
+ الخط -
خسر، أمس الخميس، نافع علي نافع، المصنف كواحد من أقوى القياديين الذين مروا على حزب المؤتمر الوطني الحاكم، آخر معاركه الداخلية، بعد أن استلم خطاباً يعفيه من منصبه كأمين عام لمجلس الأحزاب الأفريقية، وهو المجلس الذي ظلت ترعاه الحكومة السودانية، وتستغله لدعم مواقفها السياسية في القارة السمراء.


وكان نافع علي نافع، الذي عمل من قبل مساعداً لرئيس الجمهورية، ونائباً لرئيس الحزب الحاكم حتى عام 2013، قد قاد تياراً رافضاً لترشيح الرئيس عمر البشير لدورة رئاسية جديدة خلال انتخابات عام 2020، لدواعٍ يراها "ضرورية ومهمة تتعلّق بإكمال عملية الإصلاح والتجديد التي دشنها الحزب منذ عام 2013".

ولم يكن نافع، المولود في عام 1948 بولاية نهر النيل (شمال البلاد)، معروفاً في "الحركة الإسلامية السودانية" التي سيطرت على مقاليد السلطة في البلاد في عام 1989، لكن بعدها مباشرة اختير الرجل ليكون في قمة الهرم الأمني، مديراً لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.

وتُعد فترته في المنصب "الأسوأ"، بحسب تقديرات المعارضين للحكومة، إذ يلقون عليه مسؤولية التضييق على النشاط الحزبي والاعتقال التحفظي الطويل، وتعذيب المعارضين والناشطين والتنكيل بهم في معتقلات عُرفت في بواكير حكومة البشير بـ"بيوت الأشباح"، ويُعتقد أن الرجل هو أول من أسّس لها.


غير أن الحدث الأبرز الذي وقع أثناء فترة إدارة نافع علي نافع لجهاز الأمن هو المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، في يونيو/ حزيران 1995، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وهي المحاولة التي اتُهمت فيها الخرطوم من قبل مصر وإثيوبيا، وقدمتا بموجبها شكوى ضدها لدى مجلس الأمن الدولي، الذي أصدر 3 قرارات أدانت الحكومة السودانية، وفرضت عقوبات عليها، فيما تمسّكت الخرطوم دوماً وأبداً بخطاب النفي المطلق.

وبعد سنوات من المحاولة، التي تجاوزها حتى نظام حسني مبارك، أو "قبض ثمنها" في راوية أخرى، وبعد أن اشتدت الخلافات داخل الحزب الحاكم في السودان، خرج المعارض السوداني الراحل، رئيس حزب "المؤتمر الشعبي"، حسن الترابي، متهماً نافع مع آخرين بالتورط في محاولة اغتيال مبارك؛ ما اضطر نافع إلى النفي، وعزا تصريحات الترابي في حقه إلى "المرارة السياسية التي شعر بها بعد عزله عن صنع القرار".

لكن المؤكد، بعد فترة قصيرة من تلك الحادثة، وتحديداً في عام 1995، هو إقالة نافع علي نافع من جهاز الأمن وتعيينه وزيراً للزراعة، التي كان قد عمل في مجالها أستاذاً لعلم الوراثة بكلية الزراعة في جامعة الخرطوم سنوات طويلة، وعلى الرغم من أن المنصب الجديد يتوافق مع تخصصه الأكاديمي، فإنه كثيراً ما صرّح لخاصته بأنه لم يكن سعيداً بتجربته في تلك الوزارة.

من الزراعة، انتقل نافع علي نافع ليشغل منصب مستشار لشؤون السلام، ورئيس وفد الحكومة للتفاوض مع المتمردين الجنوبيين، لكنه لم يحدث أي اختراق يذكر في ذلك الملف.

وبعد ذلك، انتقل إلى وزارة ديوان الحكم الاتحادي، ومع بداية توزيره، بدأت الخلافات بين الرئيس البشير والشيخ الترابي تخرج إلى العلن، وانقسم الحزب بين الفريقين؛ فاختار نافع علي نافع، بدون تردد، صف الرئيس البشير، ووقع في عام 1998، مع 9 آخرين، على مذكرة انتهت بالحد من صلاحيات الترابي، وحل البرلمان الذي كان يترأسه، وبعد ذلك إعفائه من منصب الأمين العام للحزب الحاكم.

وباكتمال حلقات الانشقاق، بدأ صعود نجم نافع داخل الحزب، إذ تبوأ أولاً منصب أمين الاتصال التنظيمي، ولم تمض فترة طويلة حتى صار الرجل الثاني داخل المنظومة الحزبية، بعد الرئيس البشير، بل ظل عملياً الرجل الأول في مجال التنفيذ والمتابعة والإشراف، خاصة مع انشغال البشير بتصريف شؤون الدولة.

وعرفت فترة إدارته، التي امتدت حتى عام 2013، بالحزم وعدم التساهل مع أية حالات تململ داخلية، واستنّ سنّة صرف تقديم "مسكّنات" للمُغاضبين داخل الحزب، أو "بنادول"، كما عبّر عن ذلك بنفسه، وإذا استمر "الألم" والخروج عن المؤسسية وقرارات الحزب؛ يتحول العلاج لـ"البتر"، أي بمعنى آخر الفصل.


وبسبب ذلك المنهج، غادر الحزب أبرز قيادات الحزب الحاكم، أو أجبروا على المغادرة، مثل غازي صلاح الدين، الأمين العام السابق للحزب، كما اشتبك نافع مع الفريق صلاح قوش، الذي كان يشغل منصب مسؤول مستشارية الأمن، وكذلك برز خلافه الصامت مع النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية، علي عثمان محمد طه.

المرة الوحيدة التي ووجهت فيها رغبات نافع علي نافع وقرارته بمعارضة شرسة، أتت بعد توصله إلى اتفاق سلام، في عام 2012، مع المتمردين في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق فيما عُرف باتفاق (نافع-عقار)، إذ لم يجد الاتفاق دعماً داخل الحزب ولا الحكومة، فتدخل الرئيس البشير لإلغائه في خطبة له داخل مسجد.

أما تعامله مع الأحزاب المعارضة، فعُدّ "الأفظع"، إذ كان يستعمل عبارات قاسية وساخرة تجاه الأحزاب التاريخية وقياداتها، ومن النادر أن يبتدر حوارات سياسية أو محاولات تهدئة، وحين فكر ناشطون في الخروج في مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة، تماشياً مع روح الربيع العربي، جاءت عبارة نافع الأشهر "الحسوا كوعكم"، وهي عبارة دارجة تعني طلب الأهداف المستحيلة.

في عام 2013، أجرى حزب المؤتمر الوطني، وتحت إشراف البشير، عمليات جراحة إصلاحية وتجديدية، أعقبت أعنف الاحتجاجات ضد الحكومة، وقضت تلك الإصلاحات بذهاب قيادات الصف الأول، ومنهم نافع علي نافع، وبرفقته علي عثمان محمد طه، النائب الأول للرئيس، والحاج آدم، نائب الرئيس، وآخرون.

في عام 2014، وخلال الانتخابات الداخلية للحزب الحاكم، نافس نافع علي نافع بقوة الرئيس عمر البشير، للحصول على موافقة الحزب بتسميته مرشحًا لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2015، لكن كان الفوز من نصيب البشير الذي وجد دعمًا من نائبه الأول السابق، علي عثمان محمد طه، ليدخل بعدها نافع في حالة صمت، باستثناء نشاط محدود له في مجلس الأحزاب الأفريقية الذي أقيل منه أمس الخميس.

في السنتين الأخيرتين، وحين بدأ الحديث مرة أخرى عن التجديد للرئيس البشير لدورة رئاسية جديدة في عام 2020، شاع أن نافع يقود تياراً قوياً ضد تلك المقترحات، داعياً إلى مواصلة حملة الإصلاح داخل الحزب بإتاحة الفرصة لقيادات شابة على المستويات كافة، فهو يرى، كما ينقل عنه، أن التمديد للبشير فيه ضربة موجعة لتلك الجهود الإصلاحية، كما أنه بدا متحفظاً بشدة على تمرير قرار التمديد بعيداً عن مؤسسات وهياكل الحزب، هذا فضلاً عن رأيه الرافض بعض السياسات الداخلية والخارجية للحكومة.

غير أن الرياح أتت عكس ما يشتهي نافع، إذ تلقى ضربات عدّة من السلطات تواليًا؛ أبرزها عودة الفريق صلاح عبد الله قوش لمنصب مدير جهاز الأمن والمخابرات بعد إعفائه منه قبل 9 سنوات، علمًا أن العلاقة بين نافع وقوش شهدت توترات عديدة خرجت للعلن أثناء تقلد قوش لمستشارية الأمن 2010م، وأدت في حينها إلى إقالة قوش عبر اليد الباطشة لنافع، ثم ساءت العلاقة أكثر، بعد اتهام قوش بالتخطيط لانقلاب عسكري في عام 2012.

ليس ذلك فحسب، إذ تلقّى نافع ضربات أخرى تمثلت بإقالة مسؤولين بارزين، سواء في الحكومة أو الحزب، يحسبون على تياره، وبالتزامن مع ذلك، بدأ الرئيس البشير حصد المزيد من الدعم من أفرع الحزب في الولايات لتجديد ترشيحه، وحين التأم مؤتمر شورى الحزب، قبل نحو شهرين، تلاشى تيار الرفض تماماً، ووجد البشير الطريق معبداً لتسميته مرشحاً رئاسياً للمرة الخامسة، وبالإجماع، ولم تصدر بعدها من نافع أو من يساندونه أية ردة فعل.

وبعد ذلك العهد من الصمت، والمواقف الغامضة، عاد نافع علي نافع إلى الواجهة مرة أخرى، لكن ليس على منصات الحزب، بل على منصة الحركة الإسلامية، الذراع الدينية للحزب الحاكم، والتي ذهب لمؤتمراتها العامة في الولايات ممثلًا للأمين العام للحركة، الزبير الحسن، وهو واحد ممن يعدون من رافضي التجديد للبشير، وكم خيب نافع توقعات البعض، حين اختار في أول خطاب العودة للأضواء والمسرح السياسي بإعلانه التسليم بأمر ترشيح الرئيس عمر البشير لدورة رئاسية جديدة، مبرراً موقفه الجديد بأن قرار الترشيح صدر من مؤسسات الحزب، وبالتالي يجب التسليم به واحترامه.

أتبع نافع ذلك بخطاب ثانٍ في مؤتمر الحركة الإسلامية بمدينة عطبرة، هاجم فيه من سماهم "أعداء التيار الإسلامي"، من دون أن يسميهم، قائلًا إن مخططاتهم فشلت في استئصال ذلك التيار، موجهاً في الوقت ذاته رسائل مبطنة في خطابه إلى كثير من الجهات.

بعد 5 أيام من خطابه، و15 يوماً من خطابه الأول المؤيد فيه لترشيح البشير، جاءت الضربة الأخيرة لنافع، بإعفائه من منصب كان يمثل له ملاذاً سياسياً و"مسكّنًا" يخفف عنه بعض ما خسره خلال السنوات الفائتة، لكن مُنع منه أمس، ليدفع ثمن مواقفه الأخيرة.

ولعل الرجل يدرك الآن أن المطالبة بسقوط الحكومة الذي تنادي به المعارضة أو ذهاب البشير وحده، كلاهما أشبه بـ"لحس الكوع" الذي كان يتحدّى به المعارضين وهو في موقف قوة.
المساهمون