لا حل ولا سلام بعد عقود من المفاوضات

28 نوفمبر 2021
وعد شامير الإسرائيليين بأن تستمر المفاوضات عشرات السنين وبدون حلول حقيقية (Getty)
+ الخط -

بعد 30 عاماً على عقد مؤتمر مدريد الذي استمر لمدة ثلاثة أيام من 30 أكتوبر/تشرين الأول إلى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1991، لم يجد المؤتمر من يحتفي به ويعيد تذكير العالم بنتائجه ووعوده، هذا المؤتمر الذي عقد بمشاركة دولية وإعلامية فاعلة وبضغوط أميركية قوية، حيث وضعت الإدارة الأميركية ووزير خارجيتها جيمس بيكر كل ثقلها من أجل حضور جميع الأطراف، بمن فيهم الفلسطينيون، تحت مظلة الوفد الأردني، وغضت النظر عن كون أعضاء الوفد الفلسطيني المشارك يمثل منظمة التحرير الفلسطينية فعلياً (رغم اشتراط إسرائيل عدم حضور منظمة التحرير الفلسطينية بشكل رسمي)، وهذا كان مقدمة عملية لفتح قنوات خلفية أدت لاحقا إلى توقيع اتفاقية أوسلو بعد عامين من المؤتمر ومن الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال. ويمكن القول إن سياسات الولايات المتحدة لم تتغير بل تم التأكيد عليها على لسان رئيسها بوش (الاب) حين قال " ....... بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين فان المفاوضات يمكن أن تتم على مراحل وتتحدث عن إقامة حكم ذاتي مؤقت، فإن هذه يمكنها أن تستمر على مدى خمسة أعوام وبعد ثلاثة أعوام، فإن المفاوضات سوف تكون حول الوضع النهائي، ولا يمكن لأحد أن يقول بأي دقة ما هي النتائج النهائية لذلك". وأما رئيس الوزراء الصهيوني العنصري اسحق شامير فقد اختصر كلمته على تأكيد نفس السياسة العنصرية مؤكدا أن "هدف التفاوض المباشر هو التوقيع على معاهدات سلام بين إسرائيل وجاراتها، والتوصل إلى اتفاق على ترتيبات مرحلية للحكم الذاتي مع العرب والفلسطينيين" ودعا إلى "شطب ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الذي يدعو إلى القضاء على إسرائيل".

وأما رئيس الوفد الفلسطيني الدكتور حيدر عبد الشافي فأكد التزام الفلسطينيين وسائر قوى الشعب الفلسطيني بالقيادة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأضاف: "إن القدس الفلسطينية هي عاصمة وطننا ودولتنا المرتقبة، وأي تجاهل للقدس يعتبر بكل وضوح غير مشروع في أنظار المجتمع العالمي، ويعد إهانة للسلام الذي تستحقه مدينة القدس". وقال: "نحن نتكلم باسم الآلاف من أشقائنا وشقيقاتنا.... ينبغي للمستوطنات أن تتوقف لأن السلام لا يمكن أن ينطلق بينما تغتصب الأراضي الفلسطينية".

ومنذ ذلك المؤتمر وخلال 30 عاماً، مر على الجانب الإسرائيلي شامير ورابين وبيرس وبراك وشارون وأولمرت ونتنياهو ووصلنا إلى بينت، أي مرت على الجانب الإسرائيلي حكومات متعددة من اليمين واليسار والوسط، لكن لم تتغير السياسات الاستراتيجية لدول الاحتلال الإسرائيلي. أما الجانب الأميركي فلم تتغير سياساته منذ بوش (الأب) وكلينتون وبوش الابن وأوباما وترامب وصولا إلى بايدن، حيث انتهى بنا المسار من الحديث عن الاعتراف بالحق الفلسطيني وحق العودة واللاجئين والحدود والدولة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 ووقف الاستيطان إلى المفاوضات النهائية خلال 5 سنوات من توقيع اتفاقية أوسلو، حتى وصلنا إلى الحديث بعد 30 عاماً عن المطالبة بالعودة إلى المفاوضات والاعتراف بيهودية الدولة "رابين أشار إلى أنه يريد ألا يقل عدد المواطنين اليهود في الدولة عن 80%" هل اختلف شيء في عهود من جاءوا بعده، وتراجع الحديث عن الحل العادل على أساس حل الدولتين، ووصلنا إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال والحديث عن الحل الاقتصادي للسكان الفلسطينيين في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة على ما يتبقى من الأرض، ويتركز الحديث عن الحدود الآمنة لدولة الاحتلال وبهوية يهودية والمطالبة بالاعتراف بذلك، وصولا إلى صفقة القرن وما تلاها من التطبيع العربي وتغييب للحق الفلسطيني.

هل فكر منظمو مؤتمر مدريد بما ستصل إليه الأوضاع بعد 30 عاما من موعد المؤتمر، وهل كان رئيس الوزراء الإسرائيلي شامير على حق حين وعد بأن تستمر المفاوضات عشرات السنين وبدون حلول حقيقية؟ وهل كانت الدول العربية على وعي بما كان يخطط لهم في مؤتمر "السلام"، لم تتغير السياسات ولكن بعض الوجوه تغيرت، ولم يجد مدريد من يحتفي به سوى بعض المؤسسات الأهلية والرسمية في النرويج وغيرها.

كان العرب يدعون إلى مؤتمر دولي في حين كانت إسرائيل تصر على التفاوض المباشر والمنفرد مع كل دولة وحدها وهذا ما جرى فعلياً من كامب ديفيد الأولى، وتم استبعاد المؤتمرات الدولية والأمم المتحدة ووضع صيغة مختلفة تحت مسمى الرباعية الدولية، والتي لم يكن لها دور حقيقي سوى الضغط على الجانب العربي والفلسطيني خاصة للقبول بما هو ممكن وليس بما هو حق، ولعب طوني بلير ممثل الرباعية في المنطقة الدور الرئيسي في تمرير هذه السياسات من خلال الدعم الأميركي سياسيا والدعم الاقتصادي أوروبيا، وبذلك أصبحت هذه السياسة تستخدم للضغط على الجانب الفلسطيني وتتراوح بين المحاصرة والمكافأة لفرض سياسات تكريس الاحتلال وخططه الاستراتيجية.

لم يكن مؤتمر مدريد للسلام (الذي جاء في ظل انتفاضة فلسطينية شعبية كادت أن تصل إلى انتهاء الاحتلال، ومنه جاءت فكرة عقد المؤتمر في محاولة لإنقاذ سياسات الاحتلال الإسرائيلي، كما فعلت جميع المؤتمرات الدولية التي عقدت تحت مسمى إنهاء الصراع وحل القضية الفلسطينية) الأول منذ قرار التقسيم عام 1947 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تلاه من النكبات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ ذلك التاريخ، فمن لجنة التوفيق الدولية 1948 التي هدفت إلى إنهاء الصراع العربي والإسرائيلي الصهيوني إلى مبادرة روجرز عام 1970 التي جاءت بعد هزيمة عام 1967 واستكمال إسرائيل لاحتلال فلسطين التاريخية، ومروراً باتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت مصر من الصراع إلى مؤتمر مدريد ومؤتمر أنابوليس عام 2007 ومؤتمر باريس عام 2017 الذي دعت له فرنسا، وتغيب عنه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، بالإضافة إلى اجتماعات الأمم المتحدة، والتي كانت جميعها تحت الرعاية السياسية الأميركية وبتمويل وتبن اقتصادي أوروبي.

وفي النتيجة أصبحت المفاوضات المباشرة وبشكل منفرد لكل دولة عربية، مما فتح الباب أمام التطبيع العربي مع دولة الاحتلال وترك الفلسطينيين مكشوفين ومنفردين، في ظل غياب الدعم العربي وأولوية القضية الفلسطينية، والسعي إلى حصر القضية الفلسطينية في زاوية القبول بما هو ممكن ورفع شعار نقبل بما يقبل به الفلسطينيون الدول العربية.

وأخيرا هل تغير شيء في الموضوع الفلسطيني؟ جرى الكثير من المياه في نهر الأردن خلال الـ 30 عاما وبقيت القضية الفلسطينية دون حل عادل وحقيقي ودون سلام في المنطقة، وما زالت القضية الفلسطينية هي الأساس وما زال الشعب الفلسطيني يعيش المعاناة والاضطهاد، واستمر الاستيطان والإغلاق، وتم فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وتمت السيطرة على جميع الحدود وتجاهل وجود الشعب الفلسطيني، وابتعد حل الدولتين وغابت المفاوضات الجدية لإيجاد حل عادل بعد 30 عاماً على المؤتمر الدولي للسلام في مدريد ولا سلام في المنطقة.

وقد اختصرها الدكتور حيدر عبد الشافي قبل 30 عاماً في كلمته أمام مؤتمر مدريد بقوله: "سيداتي.. سادتي في الشرق الأوسط هناك دولة مفقودة وهي دولة فلسطين، ينبغي أن تولد تلك الدولة على أرض فلسطين".

المساهمون