توجس ألماني من لعبة روسية تجعل مشروع "نورد ستريم" سلاحاً سياسياً

19 سبتمبر 2021
أوروبا باتت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي (Getty)
+ الخط -

شكل وصول أسعار الغاز في أوروبا إلى مستويات قياسية على أبواب فصل الشتاء نقمة سياسية في ألمانيا وأوروبا، إذ تحاول روسيا ابتزاز الأوروبيين بهدف نزع المعوقات والخطوات القانونية ليتدفق الغاز الروسي سريعا عبر خط "نورد ستريم 2" إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، وهو المشروع الذي اكتمل مؤخراً بعد مسار طويل من الجدل لأسباب جيوسياسية واقتصادية وأخرى متعلقة بحماية المناخ، بتكلفة وصلت إلى 10 مليارات يورو. 

ويأتي ذلك بعد تحذيرات من الناقمين والمعارضين لمشروع خط الأنابيب الجديد منه، وفيها أن أوروبا باتت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، الأمر الذي قد يدفعها للتراجع عن العقوبات المفروضة على روسيا.

ووسط هذه النقمة، أشارت صحيفة "دي تسايت" إلى أنه ليس من المستغرب أن تدفع روسيا بالغاز صعودا في ظل ندرة الإمدادات وزيادة الطلب، وتمارس ضغوطا للحصول على الشهادات اللازمة من السلطات الألمانية أو حل المشكلات القانونية المختلفة، مبرزة أن سلوك روسيا حاليا يظهر أن خط الأنابيب ليس مشروعا اقتصاديا بحتا، بل أصبح سلاحا سياسيا أيضا.

وبدلاً من استخدامها أساليب الضغط هذه وجعل خط الأنابيب أكثر أهمية مما هو في الواقع، كان من الممكن استيعاب الاختناقات الحالية بشكل مختلف، على سبيل المثال، من خلال توسيع عمليات التسليم عبر بلد العبور أوكرانيا، التي يمتد العقد معها حتى العام 2024، والتي كانت في الماضي طريقة للاستجابة للطلب المتزايد، لكن "غازبروم" المملوكة من الدولة الروسية لا ترغب بذلك.

ومع العلم أن المتحدث باسم الحكومة الروسية ديمتري بيسكوف قال أخيراً إنه ليس هناك شك في أن أسرع تشغيل ممكن لخط "نورد ستريم 2" من شأنه أن يوازن الأسعار في أوروبا بشكل كبير.

ويتعلق النزاع الحالي، وفق ما ذكرت صحيفة "تاغس تسايتونغ"، بالطلب الذي تقدمت به شركة "نورد ستريم 2 إيه جي" إلى وكالة الشبكات الألمانية، وتريد من خلاله الحصول على شهادة "مشغل شبكة نقل مستقل"، التي يمكن أن تمثل حلا قانونيا، ويمكن تفسير ذلك على أنه محاولة للتحايل على توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن الغاز، أي فكرة الفصل بين التشغيل والتسليم.

وبخصوص الشهادات والخطوات المطلوبة، أبرزت الصحيفة أنه يجب أن تتحقق وكالة الشبكات الفيدرالية ووزارة الاقتصاد الألمانية مما إذا كان خط الأنابيب يهدد أمن الطاقة للشركاء المتعاقدين في الاتحاد الأوروبي، مثل أوكرانيا، وقد تتلقى كييف كميات أقل من الغاز ودفعات أموال محدودة من رسوم العبور من روسيا إذا كانت الطاقة تتدفق مباشرة إلى ألمانيا.

والأهم، وفق موقع "فيرتشفتس فوخه"، أنه ينبغي على الوكالة الألمانية أن تقدم مشروع القرار بعد ذلك إلى المفوضية الأوروبية لإبداء رأيها فيه، والاتحاد الأوروبي قد يكون عقبة، لأن قانون التكتل يحدد ما يسمى بتوجهات سوق الغاز، ولذلك لا يُسمح لـ"غازبروم" بالتشغيل والتوصيل في الوقت نفسه، وهناك إجراءات قانونية متعلقة بهذه النقطة التي يمكن أن يطول أمدها حتى العام المقبل. 

وقد تشكل المشاركة المتوقعة لحزب الخضر في الحكومة الاتحادية المستقبلية بعد الانتخابات البرلمانية العامة، المقررة الأسبوع المقبل، عقبة جديدة لأن الحزب البيئي يرفض خط الغاز "نورد ستريم 2" رفضاً قاطعاً، ومن منطلق أنه غير ضروري لإمدادات الغاز.

وعن معارضة حكومات دول شرق أوروبا بشدة للمشروع، قال الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسايدا أخيراً، في مقابلة مع القناة الثانية الألمانية "زد دي إف"، إن الدول الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي، وبالأخص غرب أوروبا، تأمل من خلال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والمشاريع المشتركة بتحول الأنظمة الاستبدادية والشمولية، لكن بالنسبة لنا الأمر ليس بهذه السهولة، ولدينا تجربة مريرة، وهناك الكثير من الأمثلة".

وأضاف "منذ العام 2008، يظهر السلوك العدواني للأنظمة الاستبدادية تجاه جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا، وحسن نيتنا يتم استغلاله لتحقيق أهدافها، وليس أهدافنا، في إشارة إلى عدم صدق النوايا من روسيا، ولذلك لدينا شكوك كبيرة في أن يعود هذا المشروع بفائدة على الاتحاد الأوروبي"، مشدداً على ضرورة بذل جهود دبلوماسية لإجبار روسيا على قبول التزامات معينة تجاه كييف، وهذا مهم للغاية لأن الاخيرة تتعرض للحرمان.

في المقابل، يبدو أن "غازبروم" محصنة بشكل جيد وقد تستخدم أوراقها تباعا، وبخاصة أن لديها انطباعاً واضحاً بأن الألمان لن يتمكنوا من البقاء في فصل الشتاء بدون الغاز الطبيعي من "نورد ستريم 2"، وسيكون من العملي والأفضل لبرلين تسريع عملية إصدار المصادقات.

ومن المعلوم أن هناك المزيد من الاختناقات في المعروض من أوروبا وألمانيا، كما أن هولندا ستوقف جميع عمليات التسليم من حقل غاز غرونينغن عام 2022، وسلمت "غازبروم"، ما هو متفق عليه عن العام 2021، ولكن بكميات أقل مما كان متوقعا، عدا عن أن حجم التسليم من روسيا أقل مما يمكن أن يكون، وخاصة عبر أوكرانيا، وهذا هو بالضبط السبب وراء عدم امتلاء مرافق التخزين في ألمانيا كما كان عليه الحال في العام الماضي.

المساهمون