كورونا والـ5G: الهراء عقيدة الأخبار الكاذبة

08 ابريل 2020
تحطيم معدات وصواري شبكة الهواتف (VCG)
+ الخط -
"قد تكون الأخبار الكاذبة قاتلة"، جملةٌ سُمعت في تصريحات مسؤولين وصحافيين وحتى توصّلت إليها دراسات تخصّصت في بحث تأثيرها على الحياة، خصوصاً في ظلّ وباء كـ"كوفيد-19". ظهر ذلك في عددٍ من الملفات، إلا أنّ تأثيرها لم يكن بالضرر الذي تحاول بريطانيا توقيفه قبل حصوله. وتُحارب الحكومة البريطانيّة أخباراً كاذبة ونظريات مؤامرة انتشرت على نطاقٍ واسع في الدولة، تتعلّق باتهام شبكات الجيل الخامس 5G بالتسبب بانتشار فيروس كورونا، ما أدى إلى اعتداءات على عمال شركات الاتصالات، وأضرار بالشبكة الضروريّة للتواصل بين البشر وإتمام مهامٍ عدة، بينها العمل عن بعد في ظلّ كورونا.
تقول صحيفة "ذا غارديان" إنّ ما لا يقل عن 20 صارياً لشبكة الهواتف المحمولة تضرّر في جميع أنحاء المملكة المتحدة، بعدما قد تم إحراقه أو تخريبه منذ يوم الخميس الماضي، نتيجةً لنظريّات المؤامرة المزعومة تلك.
كيف بدأت الرواية الكاذبة؟ مع طبيب واحد. يُشير موقع "وايرد" إلى أنّه في 22 يناير/ كانون الثاني الماضي، أي تزامناً مع بداية تفشي كورونا بهذه الصورة في أوروبا والعالم، نشرت الصحيفة البلجيكية "هيت لاتست نيوز" Het Laatste Nieuws مقابلةً مع كريس فان كيركوفين، وهو طبيب عام من بوت Putte، بعنوان "5G مهدد للحياة، ولا أحد يعرف ذلك". أثار أحد الادعاءات التي لا أساس لها من الناحية العلمية في هذه المقالة، والتي نُشرت في النسخة المطبوعة للصحيفة وحُذفت منذ ذلك الحين من موقعها على الإنترنت، عاصفةً من نظريات المؤامرة التي تبنّتها صفحات على الإنترنت، وانتقلت إلى العالم الحقيقي، ما تسبّب بالتهديدات المادية. فكيركوفين لم يزعم فقط أن الجيل الخامس خطير، لا بل قال أيضًا إنّه قد يكون مرتبطًا بفيروس كورونا.
لطالما ارتبطت نظريات بتأثيرات شبكات الهواتف على صحة المواطنين حول العالم، وكان بعضها جزءاً من حملة شنّتها وسائل إعلام ومؤسسات ودول على تكنولوجيا الجيل الخامس خلال عام 2019 الماضي، وبينها تقارير عرضت على قناة "آر تي" الروسية، والتي أثارت مخاوف من أنّ 5G قد يقتل.

لكن كيف وصل الحال إلى ما هو عليه في بريطانيا؟ تقول صحيفة "ذا غارديان" إنّ البداية كانت إعلامياً عندما اشتكى أفراد من الجمهور بعد سماعهم بثاً على المحطة المحلية Uckfield FM، ادعت فيه امرأة عرّفت عن نفسها كـ"ممرضة مسجلة"، من دون أي دليل، أن إطلاق تقنية الهاتف 5G في ووهان كان مرتبطاً بتفشي كورونا وأنه تم تصنيع الفيروس في مختبر. تلقت محطة ساسكس تحذيراً شديداً لبثّ نظريات مؤامرة لا أساس لها من أن الوباء مرتبط بطرح هاتف شبكات 5G، من قبل "أوفكوم" (الهيئة الحكومية الناظمة لعمل وسائل الإعلام في بريطانيا) بعد ذلك.
لكنّ الادعاءات التي كانت رقعتها تتزايد، وصلت إلى عددٍ أكبر من الجمهور من مستمعي الإذاعة، لا بل شارك فيها مشاهير في بريطانيا ادّعوا "كشف الحقيقة عن 5G" في مقاطع نشروها على "يوتيوب" أو في تغريدات وتعليقات على صفحاتهم على منصات مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وكان بينهم لاعب البوكسينغ أمير خان والمغنية آن ماري، والممثل وودري هاريلسون، والمغنية كيري هيلسون، والنجمة لوسي واتستون، والإعلامية أماندا هولدن. هكذا، انتشرت نظريات المؤامرة الكاذبة على منصات أصغر مثل "نيكست دور" و"بينتريست" وموقع الالتماسات Change.org، بالإضافة إلى تلك الأكبر منها، كـ"فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" و"تيك توك"، حسبما تنقل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". كما انتشرت الادعاءات التي لا أساس لها بأنّ كورونا مرتبط بـ5G على نطاق واسع على مجموعات "واتساب". لذا، تنقل صحيفة "أوبزيرفر" خططاً لوزير الثقافة البريطاني، أوليفر دودن، لعقد محادثات واجتماعات افتراضية، خلال الأسبوع، مع منصات مثل "فيسبوك" و"واتساب" و"يوتيوب" و"تويتر" لإيصال رسالة مفادها بأن نشر المعلومات الخاطئة عن 5G أمر غير مقبول.
فقد دعت الصفحات التي تهاجم الجيل الخامس على "فيسبوك" و"واتساب" وغيرهما إلى نشر صورٍ للمستخدمين خلال تدمير معدات الهاتف المحمول، على اعتبار أنّها مساهمةٌ في وقف انتشار كورونا. وفيما قالت شركات التكنولوجيا إنّها تتعامل مع القضية لحذف تلك الصفحات، واجه مهندسو الاتصالات تهديدات لفظية وجسدية أثناء عملهم، حيث دفعت نظريات المؤامرة تلك أفراداً إلى إساءة معاملة أولئك الذين يحافظون على شبكات الهواتف المحمولة والنطاق العريض الحيوية. وفي أحد مقاطع الفيديو التي تم تداولها على نطاق واسع والتي اجتذبت ملايين المشاهدات على "تويتر" وحده، تنمّرت امرأة على أفراد يعملون في شركة Community Fiber ذات النطاق العريض، بعدما زعمت من دون أي دليل أنّ الشركة كانت تقوم بتثبيت 5G كجزء من مؤامرة لقتل السكان.
والأسبوع الماضي، أضرمت النار بأعمدة إشارات الهواتف المحمولة في برمنغهام وميرسيسايد وبلفاست، وواجه مهندسو النطاق العريض تهديدات جسدية ولفظية من الناس الذين يعتقدون أن إشارات 5G مسؤولة عن الوباء العالمي، حسبما تؤكد صحيفة "ذا غارديان".
على خلفية ذلك، أصدرت أكبر أربع شركات للهواتف المحمولة في المملكة المتحدة بياناً مشتركاً، الإثنين، تطلب المساعدة لمنع الأشخاص من حرق صواري 5G. وقال بيان EE وo2 وThree وVodafone، نقلته موقع "ذا فيرج": "ليست هذه الادعاءات لا أساس لها فحسب، بل هي ضارة للأشخاص والشركات التي تعتمد على استمرارية خدماتنا. لقد أدت أيضًا إلى الإساءة لمهندسينا، وفي بعض الحالات، حالت دون إجراء الصيانة الأساسية للشبكة"، داعيةً إلى وقف نشر المعلومات المضلّلة عبر الإنترنت، والإبلاغ عن هذه الممارسات.

والخبر الذي بدأ على صفحات إلكترونية، تمّت تغطيته في عديد من المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإخبارية التقليديّة. لذا، وجّهت هيئة تنظيم الاتصالات والإعلام في بريطانيا (أوفكوم) تحذيراً للمؤسسات الإعلاميّة البريطانيّة من أنها قد تواجه عقوبات إذا أعطت وقتاً للمشورة الصحية الكاذبة حول الفيروس. وأكدت "أوفكوم"، نهاية الأسبوع الماضي، أنها تراقب محطات التلفزيون والإذاعة التي قد تبث وجهات نظر ضارة محتملة حول أسباب وأصول "كوفيد-19"، والتي "يمكن أن تقوض ثقة الناس بمصادر المعلومات الرئيسية" خلال الأزمة.
ونقلت "بي بي سي" عن خبراء وعلماء قولهم إنّ فكرة الربط بين "كوفيد-19" و5G هي "محض هراء" ومستحيلة بيولوجياً. بدورها، نفت الحكومة البريطانية هذه المزاعم أيضاً، إذ تنقل وكالة "رويترز" عن وزير شؤون مجلس الوزراء، مايكل جوف، قوله عندما سأله صحافي عن نظرية المؤامرة "هذا مجرد هراء.. هراء خطير أيضاً".
وقال المدير الطبي في خدمة الصحة الوطنية في إنكلترا، ستيفن بويس، إن نظرية "المؤامرة" محض هراء. وأضاف أن "قصة الجيل الخامس هراء تام. إنها من نوع الأخبار الكاذبة.. الواقع أن شبكات الهواتف المحمولة مهمة لنا جميعاً، لا سيما في الوقت الذي نطلب فيه من الناس البقاء في منازلهم". وتابع، بحسب "رويترز"، "هناك أيضاً شبكات الهواتف التي تستخدمها خدمات الطوارئ والعاملون في مجال الصحة، وأنا غاضب تماما وأشعر باشمئزاز من مهاجمة الناس للبنية التحتية التي نحتاج إليها للتعامل مع حالة الطوارئ الصحية هذه".
يضيف "الهراء الجديد" عاملاً صعباً آخر يفرض على مؤسسات وحكوماتٍ محاربته لوقف التهديد المباشر على حياة أفراد يؤدون عملهم الحيوي في ظلّ كورونا. لكنّ الأمل بدورٍ فعال لشبكات التواصل، في القيام بذلك، ليس كبيراً، خصوصاً مع إخفاقها في كثير من الأحيان في وضع حدّ لانتشار الأخبار الكاذبة، وتعرّضها لانتقادات إثر ذلك. فحتى وقت قريب، لم تفعل الشركات الكثير لمكافحة هذا الاتجاه. ليس لدى "تويتر" أو "يوتيوب"، على سبيل المثال، خيار في أنظمتهما للتبليغ عن المعلومات المضللة. وفي الأوقات العادية، تتردد منصات التواصل الاجتماعي للغاية في كبح ما تعتبره جزءاً أساسياً من مهمتها: إعطاء الناس الحق في حرية التعبير. ولكنّ هذه ليست أجواءً عادية، حسبما تشير "بي بي سي".
المساهمون