العملات الرقمية في غزة... قرصنة محافظ إلكترونية وفوضى عمليات التداول

غزة
الصحافي محمد الجمل
محمد الجمل
صحافي فلسطيني، يكتب لقسم التحقيقات في "العربي الجديد" من غزة.
23 مايو 2022
العملات الرقمية
+ الخط -

يقبل غزيون على تداول العملات الرقمية والمضاربة فيها، بشكل متزايد منذ عام 2020، بسبب تفاقم البطالة وتردي الوضع الاقتصادي، لكن استهداف الاحتلال لمحافظهم الإلكترونية أدى إلى تنامي قرصنتها في ظل فوضى عمليات التداول.

- فوجئ الثلاثيني الغزي محمود ناصر بتجميد رصيده في محفظة تداول للعملات الرقمية، وعجز عن سحب 1780 دولاراً أميركياً، ولم يتمكن من تحويلها إلى حساب آخر، لتضيع تماماً عليه.

واتجه ناصر بعد تلقيه تدريباً لتداول العملات الرقمية المشفرة منذ عام إلى الإقبال على الأمر، وبالفعل حقق أرباحاً، وكان ينوي ضخ المزيد من مدخراته، كما يقول، غير أن فشل محاولته في التواصل مع فريق دعم المنصة، وعدم توصله إلى رد يوضح أسباب ما جرى، جعلاه لا يكرر التجربة، مؤكداً أنه لم يقم بأي عملية غير اعتيادية تستدعي تجميد حسابه.

ويدخل ما فقده ناصر ضمن نصف مليون دولار صادرتها منصات تداول للعملات الرقمية خلال الأشهر الثلاثة الأُول من العام الجاري، بحسب إفادة مدير دائرة مكافحة الجرائم الإلكترونية في شرطة غزة، المقدم حسين أبو سعدة.

لماذا يقبل الغزيون على تداول العملات الرقمية؟

رغم تحذيرات الجهات الأمنية، إلا أن الإقبال على منصات شراء وبيع العملات الرقمية ينتشر في غزة، إذ يوجد 500 مكتب وعامل في مجال الصرافة، من بينهم 150 لديهم رخصة للعمل وفق بيانات وزارة الاقتصاد الوطني، ثلث هذه المكاتب يتعاملون في مجال العملات الرقمية بحسب إفادات 8 صيارفة التقاهم معد التحقيق، وتراوح عمولات السحب والإيداع في المنصات فيما بين 1% و3%، ويتغير السعر حسب العرض والطلب.

ويلجأ عاطلون من العمل إلى تداول العملات الرقمية، حتى إن بعضهم استدان، وآخرون باعوا حليّ زوجاتهم، بحسب الصراف محمد مخيمر الذي يمتلك مكتباً يعمل في تداول العملات الرقمية جنوبيّ قطاع غزة، موضحاً أنه لاحظ من خلال عمله وقوع 50 حالة سحب وتصفير محافظ رقمية منذ عدوان مايو/أيار من العام الماضي، وحتى نهاية شهر إبريل 2022، ومحذراً من خطورة تكرار نقل أموال وتحويلها بين حسابات على ذات المنصة، أو إيداع مبالغ بهدف تحويلها فقط دون التداول فيها، وحتى دون القيام بما سبق، وقعت سرقات وتصفير لمحافظ البعض، وللأسف لا يوجد طريقة لاستعادتها، كما يقول.

25 بلاغاً عن حالات قرصنة خارجية استهدفت محافظ غزيين في شهرين

ولم تفلح محاولات مواجهة الظاهرة أو حالات مصادرة الأموال في ثني المتعاملين عن تداول العملات الرقمية، كما يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي محمد أبو جياب، مؤسس صفحة "بلا نقود" المتخصصة في الشأن المالي والاقتصادي الفلسطيني التي يتابعها قرابة 65 ألف شخص، على موقع "فيسبوك"، موضحاً أن الإقبال على منصات تداول العملات الرقمية تزايد في القطاع خلال عامي 2020 و2021، وهو ما يبدو عبر انتشار حسابات لغزيين على منصات متعددة، بسبب ضيق الأحوال الاقتصادية، وسعي أهالي القطاع للبحث عن طرق لمواجهة أعباء الحياة المتفاقمة في ظل الحصار، إذ بلغت معدلات البطالة في القطاع 47%، من إجمالي القوة العاملة، بحسب مدير العلاقات العامة في غرفة صناعة وتجارة غزة الدكتور ماهر الطباع، الذي لفت إلى وجود ربع مليون عاطل من العمل، كذلك فإن 53% من الغزيين تحت خط الفقر، بحسب دراسة صادرة عن البنك الدولي في عام 2016، والأرقام مرجحة للازدياد في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية.

كيف تحدث قرصنة المحافظ الإلكترونية؟

يقسم أبو سعدة طرق الاستيلاء على الأموال أو مصادرتها من المحافظ الإلكترونية إلى ثلاثة أنواع: الأول قرصنة داخلية نتيجة عدم تأمين الشخص لحسابه بشكل كافٍ، إذ استعادت الشرطة مبلغ 17 ألف دولار في العاشر من إبريل/ نيسان الماضي، بعد سرقتها من قبل قراصنة في القطاع. والثاني قرصنة مصدرها كيان الاحتلال، كما حدث في 20 حالة قدموا شكاوى للمباحث في أول شهرين من العام الجاري، وبعد تتبع المصدر من قبل اختصاصيي القسم، اتضح أنه دولة الاحتلال، كما يقول.

والطريقة الثالثة، بحسب أبو سعدة، تقع عبر المنصات الإلكترونية ذاتها، إذ قد تجمّد أو تصادر الحسابات دون إشعار مسبق، وهو ما جرى لـ 21 حالة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى نهاية مارس/آذار الماضي، ومن بينهم الأربعيني محمود هاشم الذي فقد محفظته الإلكترونية، وفيها مبلغ 850 دولاراً، في يناير الماضي، دون أن يعرف ماذا جرى، أو يتلقى أي إشعار، وبعد تقدمه ببلاغ للشرطة، اكتشف أن الاحتلال صادرها، ولم يجد طريقة لاستعادتها.

وتلقت دائرة مكافحة الجرائم الإلكترونية 25 بلاغاً عن حالات قرصنة خارجية استهدفت محافظ غزيين، في شهري يناير وفبراير/شباط الماضيين، وبحسب أبو سعدة فإن الشرطة تيقنت من أن المصادرة كانت على يد جهات خارجية، لكن للأسف لا يمكن فعل شيء، بسبب الحصار المفروض على القطاع، ورفض الإنتربول (الشرطة الدولية) التعامل مع داخلية غزة، قائلاً: "طلبنا من الضحايا التقدم بشكاوى لمراكز حقوق إنسان".

لكن ثلاث منظمات، وهي المركز الفلسطيني والهيئة المستقلة ومركز الميزان لحقوق الإنسان، لم تتلقّ أي شكاوى بهذا الخصوص، ويفسر الباحث المتخصص في القانون الدولي بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان محمد أبو هاشم، ما يجري قائلاً: "توجد صعوبة في استرداد الأموال أو معرفة مصيرها بسبب اعتبار السلطات الحاكمة في قطاع غزة حكومة أمر واقع، لا تتعامل معها بعض الهيئات الدولية".

وتجري مصادرة الأموال بحجة "تمويل الإرهاب العابر للدول"، كما يقول أبو هاشم، مفسراً الأمر بأنه جاء بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1373، الذي جرى تبنيه بالإجماع في 28 سبتمبر/أيلول 2001، قائلاً: "إسرائيل في ظل غياب جهة معترف بها في غزة استغلت القرار لفرض سطوتها على القطاع المحاصر، وباتت تصادر أموالاً وتغلق حسابات بنكية، وتمنع تحويلات نقدية دون إخطار المتضررين، أو منحهم فرصاً للاعتراض"، وهو ما يشكل خطراً على الاقتصاد الغزي المنهك، إذ يسبب إفراغ القطاع من العملات الصعبة، وفق إفادة أستاذ الاقتصاد في الجامعة الإسلامية في غزة الدكتور محمد مقداد، محذراً من خطورة الإقبال على هذا النوع من المضاربة في العملات الرقمية، وآثاره الكارثية على الاقتصاد الغزي.

مراكز التدريب على التداول

دفع تكرار سرقة المحافظ وفقدان الأموال، وزارة الاقتصاد الوطني إلى فرض قيود على أنواع من التداول المالي الإلكتروني، إذ أصدر وكيل الوزارة عبد الفتاح الزريعي في إبريل الماضي، قراراً بمنع مراكز تدريبية مختصة بآليات تداول العملات الرقمية، من مزاولة عملها في القطاع، بعد أن توصلت الجهات المختصة إلى أنها تمارس نوعاً من الخداع، عبر الإيحاء للمتدربين عقب تلقيهم دورات بأنهم قادرون على التداول، والنتيجة تعرضهم لخسائر مالية كبيرة، وفق يعقوب الغندور، رئيس لجنة متخصصة بدراسة مخاطر العملات الرقمية في وزارة الاقتصاد الوطني.

يواجه متعاملون مع منصة بايننس الأميركية صعوبات في التحقق من الهوية

وبسبب المنع الحكومي، تحول مركز تدريب محمد جميل من تنظيم دوراته عبر الحضور إلى ممارسة نشاطة عن بعد ONLINE، مؤكداً أهمية ما يقوم به، قائلاً إن "تثقيف المتداول يقلل الخسائر والمخاطر"، رغم أن هذا لا ينفي إمكانية سرقة المحافظ الإلكترونية وتصفيرها دون سبب، أو حتى تبرير.

ويضيف الغندور أنه تم حظر التداول الشبكي أو "الهرمي" وكذلك "الفوركس" (سوق تداول العملات الأجنبية)، وعبر التعاون مع المجلس التشريعي في غزة، وجهات اقتصادية مختصة تجري دراسة مخاطر تداول العملات الرقمية، وننتظر توصيات اللجان لاتخاذ القرارات المناسبة.

هذه القرارات سبق أن اتخذتها سلطة النقد الحكومية، التي تقوم بدور البنك المركزي الفلسطيني، في إبريل 2017، إذ حظرت تداول العملات الرقمية، أو إنشاء محافظ إلكترونية تتعامل فيها، لما لذلك من مخاطر تسبب ضياع أموال المستخدمين، وفق ما يؤكده سيف الدين عودة، رئيس قسم السياسة النقدية والأسواق المالية في سلطة النقد.

وتنقسم المخاطر إلى شقين، أحدهما خسارة المتداولين جزءا من أموالهم بسبب المضاربات والتلاعب والتقلبات في أسواق العملات الرقمية، أو سحب أرصدة وتجميد حسابات المتداولين، وهنا لا تجد سلطة النقد عنوانا تتوجه إليه لاستعادة الأموال كما يحذر أبو عودة، ما يعني أن ثمة مئات حالات القرصنة التي لم يتم تسجيلها لدى الشرطة، نظرا لعدم تقدم الضحايا ببلاغات، بسبب اعتقادهم باستحالة استعادة الأموال، وفق تقديرات المقدم أبو سعدة ومساعديه في دائرة مكافحة الجرائم الإلكترونية.
 

مواجهة مالية

منذ إعلان كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، استقبال التبرعات لدعم المقاومة بعملة البتكوين الرقمية، في شهر يناير 2019، فرض الاحتلال رقابة صارمة على منصات التداول، ولاحق حسابات الغزيين ومحافظهم الإلكترونية، وأغلق المئات منها، وصادر مئات آلاف الدولارات، وفق الباحث أبو جياب.

وفي يوليو/تموز عام 2021، قالت وزارة الحرب الإسرائيلية إن وزيرها بيني غانتس، أمر بمصادرة حسابات العملات المشفرة التي تستخدمها حركة حماس لجمع الأموال، وبعدها ادعى الاحتلال "كشف شبكة من المحافظ الإلكترونية تستخدمها حماس لجمع الأموال باستخدام بيتكوين والعملات المشفرة الأخرى"، غير أن هذه الحملة اتسمت بالعشوائية، ونجمت عنها مصادرة عدد كبير من المحافظ المملوكة لأفراد عاديين، وفق تأكيد المقدم أبو سعدة وأبو جياب.

ويستغل الاحتلال قوانين مكافحة الإرهاب الدولية، ويفبرك مزاعم بأن أصحاب المحافظ يدعمون جهات لها علاقة بالإرهاب، ليخاطب تلك المنصات ويطلب تجميد أرصدتهم، كما أوضح أبو سعدة الذي يضيف أن معظم الضحايا أشخاص عاديون، لجأوا إلى هذا النوع من التجارة أملاً بالأرباح.

الصورة
الرقمية2

وفي ظل الاستهداف المتزايد والحصار المالي الكبير لهذا النشاط الاقتصادي من قبل الاحتلال، يصف أبو جياب ما يجري في سوق العملات الرقمية بغزة بأنه عشوائي ويفتقر إلى التنظيم. وتواصل مُعدّ التحقيق مع عشرة ضحايا فقدوا أموالهم ومحافظهم الإلكترونية، دون معرفة السبب، ولم يتلقوا أي ردود، لا بالسلب، ولا بالإيجاب من المنصة، رغم اتباعهم خطوات شرح مشكلتهم لفريق الدعم، وهو ما أكده قسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بأن الضحايا لا يحصلون على ردود أو تبرير، وجرى تأكيده عبر محاولة للتواصل مع منصة بايننس للاستفسار عن سرقة المحافظ وتصفيرها دون رد.

ويواجه متعاملون مع منصة Binance "بايننس" الأميركية صعوبات في التحقق من الهوية، وهو شرط لبقاء المتداول ضمن المنصة، بدأ تطبيقه منذ 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ مُنح من يمتلكون حسابات فعالة مدة شهر لتوثيقها، وفي حال عدم تمكنهم من ذلك عليهم سحب أموالهم، كما صارت المنصة لا تقبل إنشاء أي حساب وإيداع رصيد فيه قبل إتمام "تحقيق الهوية"، هو ما يتم عبر ثلاثة طرق، منها بطاقة الهوية، وجواز سفر ساري المفعول، إضافة لرخصة قيادة، غير أنه في قطاع غزة يقبل التحقق فقط عبر جواز السفر وبإجراءات معقدة، تبدأ بإرسال صورة ثابتة، ثم مقطع فيديو مباشر للشخص، مع تطبيق تعليمات تمليها عليه المنصة، مثل تحريك الرأس، أو فتح وإغلاق الفم، وفق ما أكده 20 مستخدماً واجهوا صعوبات في توثيق حساباتهم.

وتواصل معد التحقيق مع عشر ضحايا فقدوا أموالهم ومحافظهم الإلكترونية، من دون معرفة السبب، ولم يتلقوا أي ردود لا بالسلب ولا الإيجاب من المنصة، رغم تواصلهم مع فريق الدعم. وهو ما أكده قسم مكافحة الجرائم الإلكترونية بأن الضحايا لا يحصلون على ردود أو تبرير، كما أن معد التحقيق تواصل مع منصة بايننس للاستفسار عن سرقة وتصفير المحافظ، ولم يتلق أي رد.

ذات صلة

الصورة
سوق في مدينة غزة المدمرة، 20 يونيو 2024 (محمود عيسى/ الأناضول)

اقتصاد

تشهد الأسواق في قطاع غزة ارتفاعاً متواصلاً في أسعار السلع الشحيحة أصلاً، ما دفع العديد من المواطنين إلى إطلاق حملة مقاطعة لكبح جشع التجار
الصورة

اقتصاد

أعلنت شركة الامتياز التي تدير ستاربكس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الثلاثاء أنها ستسرح ألفي عامل وسط دعوات لمقاطعة شركة القهوة الأميركية العملاقة.
الصورة

مجتمع

حذرت وزارة الداخلية في قطاع غزة، الاثنين، من كارثة بيئية وإنسانية بسبب وجود أكثر من ألف جثمان لضحايا القصف الإسرائيلي تحت أنقاض المنازل.
الصورة

اقتصاد

تدفع أزمة الطاقة وغلاء فواتير الوقود، لا سيما المشتقات المستخدمة في التدفئة، بسكان قطاع غزة إلى البحث عن الحطب لاستخدامه في موسم الشتاء والبرد، تلافياً للوقوع في فخ الفواتير الباهظة التي يعجز الكثيرون عن تأمين تمويلها في الوقت الحاضر.