"مسيرة العودة"... كما بدت على حدود غزة

31 مارس 2018
حدود غزة أمس (سعيد خطيب/فرانس برس)
+ الخط -

في يوم الأرض، أمس الجمعة، تجاوز الجريح الفلسطيني أسامة أبو عسكر، أراضٍ وعرة، حتى وصل على كُرسيه المتحرك، مع طفليه اللذين حملا علماً فلسطينياً إلى أقرب نقطة من تجمهر الغزّيين أمام السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى الشرق من مخيم جباليا للاجئين، وأمامه حشدٌ من جنود الاحتلال وآلياته.

لبّى أبو عسكر الذي أصيب في مجزرة الفاخورة في العدوان الأول على غزة في 2008، كما الآلاف من الفلسطينيين، نداء "مسيرة العودة وكسر الحصار" عند أقرب منطقة لسكنه في مخيم جباليا، وهي إحدى نقاط تجمع الفلسطينيين، التي حددها القائمون على المسيرة، على طول الشريط الحدودي من شمال القطاع حتى جنوبه، لإحياء "يوم الأرض" في ذكراه الـ42. أبو عسكر (44 عاما)، قال لـ"العربي الجديد"، إنه "جئت مع أولادي، رغم أنني مقعد، إلى هذه المسيرة. الحنين إلى أرضنا ووطننا أقوى من أي شيء. أريد العودة إلى المجدل، هذا حق لا تنازل عنه، نتمسك به ونُعلمه لأبنائنا بأن أرضهم سلبها الاحتلال بمجازره ضد الفلسطينيين".

أما الفلسطينية صباح عسّاف، فراقبت الحدود بعينيها، وهي جالسة على مساحة من الأراضي الزراعية الحدودية. وقالت لـ"العربي الجديد": "أنا مواطنة من غزة، لكن جئت اليوم لأتضامن مع حقوقنا الضائعة، لا فرق بين مواطن ولاجئ في غزة. نحن نريد لكل اللاجئين العودة إلى أراضيهم". وذكرت عساف (56 عاما)، أنها "خططت للبقاء في منطقة شرق جباليا حيث أحد أكبر الاعتصامات، حتى ساعات المساء"، تعبيراً عن تضامنها ودعمها للمسيرة وأهدافها، مضيفة: "راح أرجع على المكان، مش عارفة لمتى ممكن أظل أجي وأتضامن مع حقوقنا كفلسطينيين".

وتنوعت المشاهد على الحدود الشرقية لقطاع غزة، فأقام الفلسطينيون صلاة الجمعة على الأرض، وكبار السن من الحاضرين كانوا منهمكين بتلاوة القرآن، وأمام أعينهم الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأصوات قنابل الدخان والرصاص لم تتوقف. تحرك الفلسطينيون نحو المنطقة كان كبيراً، وكلٌ حيّا "يوم الأرض" بطريقته، والهدف واحد وهو: تلبية النداء لـ"مسيرة العودة". وتُليت فقرات شعرية، وكلمات حماسية، وأغانٍ وطنية، أعقبت صلاة الجمعة، والدبكة الفلسطينية كانت حاضرة.



كبار، شبان، شابات، نساء، أطفال، مُقعدون، وذوو احتياجات خاصة، جميعهم جاؤوا إلى "مسيرة العودة"، وسط تتالي أصوات الإسعاف وإطلاق الرصاص وجماهير هتفت "بالروح بالدم نفديك يا أقصى". وأقام المتظاهرون الخيام في المنطقة، واختار بعضهم خيمته التي حملت اسم بلدته الأصلية، فانتشرت الخيام التي دلّت على عشرات المدن والبلدات والقرى الفلسطينية. وفي نقطة قريبة من الحدود الفاصلة، جلست مجموعة نسائية على الأرض، وغنّت لفلسطين وللبلاد. بدت ملامح السعادة واضحة عليهم، والشعور بالحنين إلى الأرض والوطن المسلوب تملّكهم، وحولهم أطفال كُثر، بعضهم ارتدى ثوباً فلسطينياً. كما جلس رجال تحدثوا واستعادوا ذكريات البلاد. ومنهم من أحضر وسادته وفراشه معه، جلس عليها متمدداً، وحوله الكثير من الأعلام الفلسطينية، حتى أن أطفالاً حضروا مع ألعابهم.

وعلى جوانب المكان، صفّ بائعون بسطاتهم، وعدد من المُحتشدين ازدحموا حولهم. وبدت المناطق الحدودية نقطة البيع الأوفر حظاً لهم من مناطق أخرى سكنية، غزاها البؤس والمعاناة لأكثر من مليوني مواطن في غزة.
ورفرفت الأعلام الفلسطينية التي اتّحد حولها السكان. شعارات الوطن وحدها علت المكان، مثل "بدنا نرجع على بلادنا"، "بدنا حقوقنا"، "حق العودة مشروع".

وفوق كل هذا، لم يخلُ المشهد من صرخات النجدة من شبان فلسطينيين أُصيبوا بالرصاص من قبل الجنود المُتسترين خلف الكثبان الرملية الواضحة، وكل ذلك لم يُوقف الحركة المُستمرة من الفلسطينيين إحياءً ليوم الأرض، وترسيخاً لحقوقهم في "مسيرة العودة وكسر الحصار".

وامتدت النقاط الطبية إلى مناطق مختلفة من الحدود، وعمل الأطباء والمسعفون لتقليل الضغط على المستشفيات التي عانت الإنهاك نتيجة الحصار والأزمات، وحاولوا مداواة الجرحى جزئياً في الميدان. ولم يكن المسعفون أقل جرأة من الشباب الثائر، فكانوا في خطوط المواجهة الأولى، وقاموا بواجبهم في إنقاذ الجرحى ومحاولة إنقاذ حياة أصحاب الإصابات الخطيرة الذين سقطوا برصاص القناصة الإسرائيليين المنتشرين على الحدود. أما من الجانب الإسرائيلي من الحدود داخل الأراضي المحتلة، فكان الوضع مرتبكاً جداً، مع تعزيز الاحتلال من وجود قواته العسكرية ونشره عشرات القناصة على طول الحدود لمنع الفلسطينيين من الاقتراب منها.


المساهمون