الحكومة التونسية في مواجهة اختبار الطوارئ والمصالحة

01 سبتمبر 2015
الحكومة مقتنعة بضرورة إيقاف نزيف الإضرابات (فرانس برس)
+ الخط -

تدخل الحكومة التونسية بعد أسبوعين امتحاناً صعباً سيضعها في مواجهة النقابات التي بدأت تستعد لاستئناف معركة كسر العظام التي توقفت بسبب العطلة الصيفية. ويعتبر متابعون أن العودة المدرسية التي تقترن في تونس عادة بالعودة السياسية والإدارية منتصف سبتمبر/أيلول الحالي، ستكون أهم امتحانات حكومة الحبيب الصيد، لأنها ستختبر صلابتها السياسية وفق القرارات التي سبق واتخذتها ومدى قدرتها على الصمود وعدم التراجع تحت تأثير الشارع، ولكن الموعد نفسه سيكون كذلك اختباراً لحالة الطوارئ التي تمنع التحركات الاجتماعية الكبيرة وتحد من الإضرابات.

وتنطلق حكومة الصيد ومن خلفها رئاسة الجمهورية وحركة "النهضة" وبقية الأحزاب المتحالفة، من قناعة جماعية بأن سبيل نجاحهم الوحيد يمر عبر إيقاف نزيف الإضرابات وإعادة آلة الانتاج إلى أقصى درجات الفاعلية وبأقصى سرعة، وهو ما يعني أيضاً الحد من وجود المعارضة في الشارع والتهديد به في كل مرة، بعد أن تقلص دور هذه المعارضة داخل البرلمان. ويرى كثيرون أن فرض حالة الطوارئ، كان أساساً من أجل تحقيق هذا الهدف بالذات، وهو ما فهمته المعارضة بسرعة وحاولت معارضته من دون جدوى إلى حد الآن. وسيضع منتصف الشهر الحالي حكومة الصيد في مواجهة المعارضة والنقابات، وبالذات نقابة التعليم الابتدائي التي أعلنت قبل انطلاق العام الدراسي أنها جهّزت كل أسلحتها لهذه المواجهة وأنها ستستأنف ما بدأته منذ الربيع الماضي، وأعلنت عن سلسلة من التحركات التي ستنطلق بداية الأسبوع المقبل.

وكانت المواجهة مع نقابة التعليم الابتدائي في نهاية الموسم الماضي استمرت لأسابيع طويلة، انتهت لأول مرة في تونس بقرار إنجاح جميع التلاميذ من دون المرور بامتحانات آخر السنة، وهو ما استفز النقابة التي قررت أن تواصل المعركة منذ بداية هذا العام.

وجاء قرار الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل نهاية الأسبوع الماضي، ليؤكد رفض النقابة لما اعتبرته "المعالجة الأمنية في التعاطي مع التحرّكات الاجتماعية"، مجددة رفضها "استغلال قانون الطوارئ للتعدّي على الحقوق وانتهاك الحرّيات"، وهو ما يعني أن أكبر قوة اجتماعية (وسياسية أيضاً) في البلاد نفد صبرها من قانون الطوارئ.

غير ان اتحاد الشغل لم يتوقف عند هذا الحد، بل أعلن عن برنامجه المقبل للعودة السياسية بكل وضوح، عندما جدد تأكيده على "تبنّي الاتحاد موقفاً واضحاً من المصالحة الوطنية قائماً على احترام الدستور وقانون العدالة الانتقالية، وضامناً للإنصاف والعدالة، وقادراً على تفكيك منظومة الفساد ومبنياً على التوافق". ودعا إلى سحب مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية بصيغته الحالية.

ورفض النقابيون ما سموه "استمرار تحميل الشغيلة وعموم الشعب المفقّر تبعات هذه الأزمة المتولّدة من خيارات لا يدَ لهم فيها، وذلك عبر ميزانية تكميلية لم تُراعِ حلّ المشاكل الاجتماعية، كالتشغيل والتنمية والعدالة الضرائبية، وعبر مشاريع قوانين أحادية الجانب لا تستفيد منها إلا فئات محدودة ومحظوظة". ودعا الاتحاد إلى "فتح الملفات الوطنية الكبرى بدءاً بالتوافق على برنامج تنمية جديد وعادل، ومراجعة منظومات التربية والصحّة والجباية والبنوك والضمان الاجتماعي، ومراجعة القوانين الأساسية والأنظمة العامّة وغيرها بطرق تشاركيّة".

وهو ما يعني أن القوى المركزية النقابية ترفض تقريباً كل برامج الحكومة، بدءاً بقانون المالية وصولاً إلى قانون المصالحة ومروراً بحالة الطوارئ، ما سيقود بالضرورة إلى الشروع في مرحلة اختبار قوة كل طرف وصلابته.

اقرأ أيضاً: المعارضة التونسية أمام تحدي قانوني "المصالحة" و"مكافحة الإرهاب"

وينضم اتحاد الشغل بهذا الموقف إلى كل المعارضة التونسية داخل وخارج البرلمان، التي أعلنت جديتها في مواجهة قانون المصالحة الاقتصادية واستعدادها لخوض هذه المعركة بكل ما لها من قوة، وهو اختبار الحكومة الثاني إذا ما أصرت الرئاسة على تقديم قانون المصالحة إلى البرلمان وحسمه داخله من خلال الأغلبية النيابية التي تحظى بها، بعيداً عن أنظار الشارع الذي تلوّح به المعارضة.

وتدرك حكومة الصيد جيداً أن تراجعها أمام نقابة التعليم، أو إسقاط قرار اقتطاع أجر أيام الإضراب، سيفشل مسعاها في إعادة نسق العمل إلى حالته العادية، وسيفتح من جديد سلسلة الإضرابات التي عمّت البلاد، ما يقود إلى فشلها التام في تحسين الوضع الاقتصادي، وربما يقود إلى حكومة ثانية بأسرع مما يُتوقع.

وتعوّل الحكومة على خوض معركة قانون المصالحة وكسبها، مما سيوفر لها مداخيل لا تحلم بها ويُقدّرها بعض الخبراء بمئات مليارات الدينارات التونسية، ويعيد من جهة أخرى رجال الأعمال إلى العمل والاستثمار من دون انتظار مسار العدالة الانتقالية الذي طال كثيراً، بحسب رأي الحكومة.

وتبدو هذه المعركة من أهم المعارك التي ستضع الحكومة في مواجهة المعارضة، وتُعوّل فيها الأولى على أغلبيتها النيابية، فيما تستعين الثانية بالقوى الثورية الموجودة في الشارع.

ويدرك الصيد أن امتحانه الشخصي كرئيس للحكومة واستمراره في منصبه لفترة أطول من سابقيه، يمر عبر نجاح حكومته في هذين الامتحانين بالذات، وهو ما سينهي تماماً أي تفكير في استبداله. كما يدرك في المقابل أن فشله في إدارة هذين الملفين، سيعزز من فريق المشككين في قدراته والطامحين في تغييره، بعد أن نجح منذ أحداث سوسة في استعادة ثقة مؤيدَيه البارزين، الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وزعيم "النهضة" راشد الغنوشي.

اقرأ أيضاً: قانون الإرهاب يقسم الأحزاب التونسية ويواصل معاركها السياسية

المساهمون