حملة جديدة ضد السوريين في مصر: شماعة لأزمات الدولار والغلاء

09 يناير 2024
نسبة كبيرة من استثمارات السوريين في مجال المطاعم (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

أشعل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة جديدة ضد السوريين المقيمين في مصر، داعين إلى مقاطعة المنتجات والمحال السورية، وإبعادهم على وجه السرعة.

انطلقت الدعوات من شخصيات غير معروفة، سبق لبعضها المشاركة في حملات مضادة لمقاطعة بضائع الشركات الغربية الداعمة للعدوان الإسرائيلي على غزة، وأخرى تحمل شعار "تحيا مصر" لدعم الرئيس عبد الفتاح السيسي، محملين السوريين توابع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الدولة.

أججت الحملة مشاعر غضب لدى أغلبية المصريين، الذين حملوا "الكتائب الإلكترونية" الداعمة للسلطة، بالوقوف وراءها لإلهاء المواطنين عما يحدث حولهم من كوارث إنسانية في غزة، وأزمة مالية تدفعهم إلى العيش في أزمات تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار والتضخم والغلاء الفاحش.

أطلق الداعون للمقاطعة وسم" #ارجع_ياسوري_ابني_بلدك و#ترحيل_اللاجئين_مطلب_وطني و #مصر_للمصريين و #مقاطعة_محلات_السوريين و # توطين_اللاجئين_نكبة و #مش_هشتري _غير _من_المصري.

لم تحظ أية وسوم بقراءات مرتفعة، سوى وسم #مقاطعة_محلات_السوريين، الذي حصل على 40 ألف قراءة على موقع "X" (تويتر سابقاً) مع قليل من الانتشار على "فيسبوك" و"تيك توك"، حتى أمس.

بتدقيق الحسابات التي تساهم مرة بالتعليق وأخرى بإعادة نشر الوسم، رصدت "العربي الجديد" بعض الحسابات حديثة العهد، تحمل التعليقات نفسها، وتردد وسم بشعار #تحيا_مصر و#مصر_تخوض_حرب_وجود، تبثّ دعاية لرئيس الدولة، وتروج لأنشطة الحكومة.

بعض التعليقات التي تدعو إلى وضع مصلحة مصر في المقام الأول، تطالب بإقصاء السوريين والعرب كافة، في إطار "مبادرة إنقاذ وطني" و"حملة شعبية لوطن بلا لاجئين"، للحفاظ على الهوية المصرية، مع تعريفات لأشخاصهم مرفقة برسومات فرعونية، مع تحميلهم مسؤولية ما تعانيه البلاد من أزمات اقتصادية.

يتهم المتعصبون المشاركون في تلك الحملة، السوريين بأن بعضهم يشارك في تهريب الدولار للخارج، وينقل المخدرات والأدوية المحظورة إلى داخل البلاد.

يواكب الهجوم الإعلامي نشر أنباء بصحف رسمية، عن غلق مطاعم عدة مشهورة لسوريين، جنوب وغرب العاصمة، بسبب ضبط أغذية منتهية الصلاحية، وأخرى حول عمليات تهريب لمخدر الكبتاغون في عربات نقل تعمل بين مصر والدول العربية.

كتب أحد المؤثرين في نشر وسم المقاطعة لمحلات السوريين، يحمل اسماً مستعاراً "القائد عبد الله"، بأنه وراء الدعوة إلى طرد السوريين من مصر، مؤكداً نشره وسم #ارجع يا سوري ابني بلدك منذ عام 2021. يزعم عبد الله بأنه تلقى تهديدات من عناصر منتمية لـ"داعش" سورية، جراء دعوته لطرد السوريين من مصر.

اتهم الداعون للمقاطعة كل مصري يعارض توجههم نحو السوريين بالتآمر على الدولة، بينما دافع آخرون عن وجودهم، باعتبارهم ضيوفاً جاءوا بأموالهم وخبراتهم للبحث عن الاستقرار، وإيجاد فرص عمل، لهم ولآلاف العمال من المصريين الذين يعملون معهم بالأنشطة التجارية والخدمية والصناعية، في أنحاء البلاد.

يقول أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي، إن الحملة المثارة ضد وجود السوريين تتعارض مع مصلحة البلاد، مطالباً أجهزة الدولة، بسرعة التحرك لمحاسبة الذين يصعدون أزمة تسيء لمصر وقيمها ودورها تجاه الأخوة العربية.

يشيد شعبان بدور السوريين في تنشيط الاقتصاد، بإضافة العديد من الأنشطة والخبرات وعملهم الدؤوب، ورفضهم أن يكونوا عالة على المجتمع، الذي أصبح مطالباً بأثره بالدفاع عن ضيوفه ومواجهة المغرضين، مؤكداً أن الحملة يقف وراءها منافسون غير قادرين على مواكبة كفاءة السوريين، وممن يشعرون بالغيرة من قبول المجتمع المصري لأشقائهم السوريين.

ويحذر رئيس الحزب الاشتراكي من انجراف المسؤولين وراء "الحملات المغرضة"، مشيراً إلى خسارة مصر وجودها في أفريقيا، من قبل قائلاً: "نخشى أن نفقد سورية وفلسطين بالتخلي عن دورنا بمساعدتهم، فلا نجدهم عندما نحتاجهم، بما ينهي دور مصر الريادي بين العرب وإدارة المنطقة".

تأتي الحملة ضد السوريين في وقت تشهد فيه البلاد أزمة في النقد الأجنبي، وارتفاعاً غير مسبوق في الديون الخارجية، بينما تراجعت إيرادات النقد الأجنبي بنسبة تصل إلى نحو 17.5% خلال التسعة أشهر الأولى من 2023، وسط توقعات بتزايد حدة التراجع عقب اندلاع الحرب على غزة، وما صاحبها من تأثيرات سلبية على أنشطة حيوية مثل السياحة والاستثمارات الأجنبية.

ووفق أحدث الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن إيرادات مصر فقدت نحو 13.9 مليار دولار من 5 مصادر أساسية، هي الصادرات، وتحويلات المغتربين، والسياحة، وقناة السويس، وصافي الاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك في أول 9 أشهر من العام الماضي، مقارنة بالمستوى الذي كانت عليه التدفقات خلال الفترة نفسها من عام 2022. وبلغت حصيلة مصر من النقد الأجنبي من تلك المصادر الخمسة نحو 65.6 مليار دولار مقابل نحو 79.6 مليار دولار في الفترة نفسها من 2022.

وتزداد الفجوة بين سعر صرف الدولار في السوقين الرسمية والموازية، لتصل إلى نحو 21 جنيهاً، بعدما تخطي سعر العملة الأميركية في السوق السوداء 52 جنيهاً، في حين تبلغ رسمياً نحو 30.9 جنيهاً، بزيادة تبلغ نسبتها 68%.

ويرى خبراء اجتماع سياسي أن الحملات ضد السوريين وغيرهم تحدث من حين لآخر، ورغم انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية، فإنه ليس لها واقع على الأرض، وتظل إثارتها مرتبطة بعدد من الأفراد الذين يثيرون قضية إبعادهم أو مقاطعتهم، لعدم قدرتهم على منافستهم في المجالات التي يعملون بها. وترصد وكالة غوث اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، استضافة مصر حوالي 460 ألف لاجئ وطالبي لجوء مسجلين من 59 دولة، استحوذ السوريون على النسبة الأكبر منهم حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

عندما اندلعت الحرب الأهلية في السودان، في إبريل/ نيسان من العام الماضي، أصبح السودانيون الأكثر عدداً، يليهم السوريون، ورعايا جنوب أفريقيا، وإريتريا، وإثيوبيا، واليمن، والصومال، والعراق. ووصل عدد اللاجئين بالوكالة حتى 19 ديسمبر/ كانون الأول 2023، من السودان 198 ألفاً و377 لاجئاً، ومن سورية 153 ألفاً و646، وجنوب السودان 37 ألفاً و426، وإريتريا 31 ألفاً و975، وإثيوبيا 17 ألفاً و479، واليمن 8 آلاف و345، والصومال 7 آلاف و340، والعراق 5 آلاف و560، وأكثر من 50 جنسية أخرى.

وقال خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، على هامش مؤتمر للجهاز في 28 أغسطس/ آب الماضي، إن الأرقام الرسمية عن أعداد اللاجئين في مصر تشير إلى نحو 9 ملايين شخص، من بينهم 4 ملايين مواطن سوداني، يليهم 1.5 مليون مواطن سوري، وفق آخر رصد قبل الأزمة السودانية الأخيرة، لافتاً إلى أن العدد قد يزيد بنحو مليوني لاجئ إضافي، بسبب الأزمة السودانية.

لكن انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع محلية إحصاءات تفيد بأن إجمالي عدد العرب المقيمين يصل إلى نحو 16.48 مليون شخص، منهم 5.5 ملايين سوري، و2.2 مليون عراقي، و1.7 مليون يمني، و4.3 ملايين سوداني، و3 ملايين فلسطيني.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ويعيش 74% من اللاجئين في العاصمة القاهرة والمدن الملتصقة بها، تليها محافظات الإسكندرية (شمال)، ثم الشرقية (شرق)، ودمياط والدقهلية بدلتا النيل (شمال)، ومدن قناة السويس (شمال شرق).

ومع افتقارهم إلى دخل ثابت، إلى جانب زيادة التضخم، تؤكد وكالة غوث اللاجئين حاجتهم إلى فرص كسب الرزق، والتعليم الرسمي المستدام، والدعم الطبي أو النفسي والاجتماعي.

ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن حجم الاستثمارات السورية المسجلة في مصر عام 2017، بلغت 880 مليون دولار، منوهاً بوجود أكثرها خارج النطاق الرسمي، وتسجيل بعضها بأسماء مصريين، لصعوبة في الإجراءات. ويستثمر السوريون في مصانع الملابس والبلاستيك والمواد الغذائية والأثاث، بالإضافة إلى المطاعم.

يدفع السوري 1200 دولار تكلفة تأشيرة سياحية لدخول مصر لمدة 3 شهور قابلة للتجديد، مع تحمل 200 دولار تكلفة الطيران من دمشق. وألزمت الحكومة المصرية السوريين وجميع المقيمين بالداخل بتوفيق أوضاعهم خلال عام 2024، بإصدار قرارات حكومية نهاية 2023، بسداد 1000 دولار مقابل تجديد الإقامة للفرد، وإلغاء دخول أبنائهم للمدارس والجامعات بمصروفات محلية، ومعاملتهم كالأجانب بمختلف الخدمات، بما يلزمهم بالدفع بالجنيه الإسترليني أو الدولار بالمؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، مع إلغاء الخدمات الطبية والتسهيلات التي تقدم منذ عقود مجاناً للسوريين والسودانيين دون غيرهم.

أجّجت القرارات مخاوف السوريين الذين قدموا للبلاد، وقت اندلاع الحرب الأهلية، تاركين أموالهم خلفهم، في وقت تصاعدت فيه معدلات التضخم والأسعار، ولا يقدرون على تحمل تكلفة المعيشة بمصر أو العودة إلى بلدهم.

تدفع الرسوم الحكومية وغلاء الأسعار التي ستطبّق على السوريين وغيرهم، اعتباراً من الشهر الجاري، آلاف اللاجئين للعودة إلى سورية، أو السفر إلى ليبيا، بحثاً عن فرص العمل وتحسين الدخل. على النقيض من ذلك، انتشرت في الأسابيع الأخيرة مطالب سوريين ممن هاجروا إلى ألمانيا والسويد وتركيا وأوروبا، وحصلوا على جنسيات غربية، بالسفر إلى مصر للإقامة بصفة دائمة.

يسأل السوريون عبر مجموعات "الجالية السورية في مصر" المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن سبل تقنين أوضاعهم. وتبحث العائلات "عن ملاذ آمن يحفظ الهوية العربية لأبنائهم الذين نشأوا بين مجتمعات غربية، غير مرحبة بالعرب، ويتعاملون معهم بعد الحصول على الجنسية على أنهم غرباء".

تلقى طلبات السوريين اهتماماً واسعاً من المصريين، خاصة شركات المحاماة والمكاتب الاستشارية التي توسعت مؤخراً في إنهاء إجراءات منح السوريين تأشيرة دخول للبلاد، مقابل 3 آلاف دولار، وتمكينهم من توثيق شراء العقارات والمنشآت التي تسمح لهم بإقامة دائمة، أو الحصول على الجنسية عبر الزواج من مصريين، أو وضع 300 ألف دولار بحسابات رسمية، لمدة 5 سنوات، أو الاستثمار المباشر بحد أدنى 500 ألف دولار، وفقاً لقوانين صدرت مؤخراً لمنح الجنسية المصرية للأجانب.

وسط معارضة محدودة، وافق البرلمان، الأسبوع الماضي، على منح تسهيلات جديدة للأفراد والشركات الأجنبية، لشراء الأراضي بمناطق صحراوية وحدودية محظورة على غير المصريين، بالتوازي مع زيادة التسهيلات في شراء العقارات والشركات المحلية، أملاً في سد النقص الخطير بالعملة الصعبة، من المستثمرين الأجانب.

ويخشى برلمانيون أن توظف أطراف صهيونية التسهيلات القانونية لصالحها، بما يمنحها فرصة الاستيلاء مباشرة، أو عبر وسطاء عرب، على أماكن استراتيجية، مؤكدين خطورة توقيت صدور القانون، في ظل حالة التوتر العسكري التي فجرها العدوان الإسرائيلي على غزة، ورغبة إسرائيل بتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وتغيير ديموغرافية المنطقة.

المساهمون