حسين سلمان: عن العرب والمنهج العلمي

17 فبراير 2021
(من كناب "الجداول الإيلخانية" للطوسي ويصور مرصد مراغة الفلكي في القرن 13)
+ الخط -

تضيء محاضرة "المنهج العلمي في الحضارة العربية" التي نظّمها "مركز المخطوطات" بمكتبة الإسكندرية عند العاشرة من صباح اليوم الأربعاء، اعتماد الحضارة اليونانية العقل ومبدأ السببية تأثّراً بمناهج الحضارات المصرية القديمة والأشورية والكلدانية، والذي انتقل إلى الحضارة العربية الإسلامية في دراساتهم علوم الرياضات والفلك والفلسفة الطبيعية وغيرها، وكيف استخدمت الفرق الدينية المختلفة خاصة الكلامية كالمعتزلة فكرة العلية في النظر إلى الكون ما أدى إلى تطوير النظر في الطبيعة.

استهلّ الباحث حسين سليمان محاضرته، التي قدّمها افتراضياً، بالإشارة إلى أن العقل العربي يفكّر تقريباً بالطريقة ذاتها منذ أكثر من ألف ومئتي عام، أي منذ وضع الإمام الشافعي أسس هذه الطريقة وضمّنها كتابه "الرسالة" ومنه بدأ علوم أصول الفقه، موضحاً أنه قبل ذلك شهد العالم الإسلامي صراعاً بين منهجين في التفكير؛ منهج أهل الحديث الذي يفترض الرجوع إلى النص الديني عند إصدار حكم في كلّ مسألة مستجدة، ومنهج الرأي الذي يدعو إلى استخدام العقل في قراءة النصوص الدينية وعلى رأسه الإمام أبو حنيفة.

أشار المحاضر إلى أن المنهج بالمعنى الفلسفي برز في علم الكلام لدى الحضارة العربية الإسلامية

وبيّن أن الشافعي حسّم الصراع بين هذين الاتجاهين، وقال بالجمع بينهما من خلال الرجوع إلى أربعة مصادر للحكم على أية واقعة جديد، هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، والأخير هو الذي واصل العلماء تطويره على مرّ الزمن، حيث ليس هناك حكْم في الماضي لكلّ ما يواجهه المسلمون من أمور لا سوابق لها، وتستوجب دراستها علمياً والنظر إلى أثرها في المجتمع.

توقّف سليمان عند تأثير الحضارة اليونانية على علوم المسلمين، خاصة في علماء ثلاثة هم: أبقراط الذي فصل الطب عن التفسيرات الميتافيزيقية، حيث المرض له أسبابه وعلله التي عند تشخيصها يمكن علاجه، وأفلاطون الذي قدّم نظرية المُثل التي تقسم العالم إلى عالم أزلي وعالم دنيوي، والعلم لديه تذكّر للوصول إلى المعرفة، وأرسطو الذي درس على يدي أفلاطون، وهو الذي وضع أصول المنهج العلمي الذي سار عليه العرب.

ولفت المحاضِر إلى أن أرسطو أرجع أي موجود في العالم الدنيوي إلى أربع علل؛ العلة الفاعلة، والعلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الغائية، كما أسّس علم المنطق في مجموعة من المؤلّفات تجنّب العقل من الوقوع في الخطأ، وهي "المقولات" و"العبارة" و"التحليلات الأولى" الذي درس فيه فكرة التمثيل والقياس، و"التحليلات الثانية أو البرهان"، الذي تجاوز ذلك نحو اليقينية في المعرفة.

وصف المسعودي في كتابه "مروج الذهب" إقصاء المعتزلة بأنه يُوقف التعقّل والاجتهاد

وأوضح أن المنهج بالمعنى الفلسفي برز في علم الكلام لدى الحضارة العربية الإسلامية، حيث الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، ومن أهمّ فرقَه كانت المعتزلة الذين قالوا بفكرة العدل الإلهي وأن الله أعطى الإنسان حريَة الإرادة رداً على منهج الجبْر الذي ساد عصرهم، وهو فاعل مؤثر تستجيب له الطبيعة، وبنظرية قانون يحكم الظواهر الطبيعية التي استندت إليه أوروبا لاحقاً في نهضتها الفكرية، وتقوم على السبب والمسبّب والفعل والمفعول والأثر والتأثر والعلل والمعلولات، والعلاقات بين الظواهر الطبيعية واضحة ومحددة وفق نظام كلّي دائم.

انتقل سليمان للحديث عن تأييد السلطة السياسية للفكر الاعتزالي قبل الانقلاب عليه زمن الخليفة العباسي المتوكّل الذي أقصاه وتعقّب جميع أتباعه، وأمرهم بالتسليم والتقليد، والمنهج المسيطر هو منهج أهل الحديث، حيث وصف المسعودي هذا القرار في كتابه "مروج الذهب" بالقول إننا أمام "مرسوم رسمي من السلطة" يدعو إلى توقف التعقّل والاجتهاد، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري الذي كان معتزلياً أربعين عاماً ثم صدّر مذهبه الجديد الذي قال فيه إن المسائل كلّها ليست بالعقل، حيث الحقيقة موجودة في النص الديني.

وتطرّق إلى الهجوم الذي شنّه الغزالي على أرسطو ممثل الفلسفة وأتباعه في العالم الإسلامي وأبرزهم الفارابي وابن سينا في كتابه "تهافت الفلاسفة" الذي يعدّ محطّة أساسية في تاريخ الفكر العربي أدّت إلى تراجع الفكر العقلاني، موضحاً أن عدداً من العلماء برزوا لاحقاً ودعوا إلى استخدام المنهج العلمي في فهم الظواهر دون تدخّل قوى عليّا في مجريات الأمور، ووضع قوانين عامة للظواهر الطبيعية تركت أثرها في عصر النهضة الأوروبية.

ومن هؤلاء العلماء كان ابن رشد الذي ردّ على الغزالي بكتاب "تهافت التهافت"، واعتبر آراء الأشاعرة سفسطائية تنكر السببية، وبالتالي تنكر العلم بمجمله، بحسب سليمان، الذي صحّح قول المستشرقين بأن ابن رشد كان آخر من تحدّث بالمنهج العلمي، حيث ظلّ علماء بعده يؤمنون به مثل الطوسي والجزري وابن البيطار وابن النفيس وغيرهم العشرات، وقد نقل كوبرنيكوس حرفياً عن الطوسي وابن الشطر، وتأسّس أيضاً مرصد مراغة في منتصف القرن الثالث عشر.

وختم سليمان محاضرته بأن أسباب تراجع الحضارة العربية الإسلامية تتعلّق بانحسار طرق التجارة القديمة التي كانت تمرّ بالعالم الإسلامي، حيث تركّز الاقتصاد في مناطق جديدة من العالم، وترافق ذك مع احتكار الأوروبيين للعلم منذ القرن السادس عشر وعدم نشره في بقية العالم، مثلما فعل اليونانيون والمسلمون، حيث ارتبط ذلك باحتكار الثروة ونشوء الرأسمالية كنظام اقتصادي سياسي.

كتب
التحديثات الحية
المساهمون