متحف طارق السيد رجب: مسيرة حياة

03 أكتوبر 2016
(طارق وجيهان السيد رجب)
+ الخط -

في أوائل الصيف الماضي، رحل الفنان وعالم الآثار الكويتي، طارق السيد رجب (1935 - 2016)، تاركاً متحفاً شخصياً يحمل اسمه، جمع عادياته وأعماله الفّنية والأثرية بالتعاون مع زوجته البريطانية جيهان، باتريشيا ويلبورن سابقاً (1934 - 2015)، المتخصّصة في دراسة المجتمعات الإنسانية والمهتمّة بالفنون.

قرابة نصف قرن استغرقها تجميع المواد على شكل مجموعة خاصّة في البداية، قبل أن تتحوّل إلى متحف سيفتح أبوابه أمام الجمهور في منطقة الجابرية عام 1980. تخلّلت تلك المدّة أسفارٌ ثقافية في حقل الآثار والفنون قام بها الزوجان بين عواصم ومدن البلدان الشرق أوسطية، العربية وغير العربية، كانا يتعرّفان، خلالها، على شتّى الفنون الأثرية، من تحفٍ ومنسوجاتٍ ومخطوطاتٍ ومصاحف نادرة يرجع أقدمها إلى القرن التاسع الميلادي، وخزفياتٍ وحلي إسلامية، وآلات موسيقية وغيرها، ويقتنيان ما تيسّر منها.

كانت رحلةً كرّس لها الزوجان عمريهما، فأسفرت عن مجموعة خاصّة واسعة ونادرة من الأعمال الفنية التي تمثّل مختلفَ جوانب الحضارة الإسلامية منذ بدايتها في القرن السابع الميلادي، وصولا إلى القرن العشرين. وظلَّ "متحفُ طارق السيد رجب"، وهذا هو الاسم الذي عُرف به، مفتوحاً أمام الجمهور العام المحلّي والزوّار من البلدان العربية والأجنبية، ولم يُغلَق إلا لفترة قصيرة خلال غزو النظام العراقي الكويت في آب/ أغسطس 1990، وعاد إلى فتح أبوابه مباشرة في شباط/ فبراير 1991، ويُعتبر الآن الوحيد من نوعه المفتوح أمام الجمهور في البلاد.

في سردٍ موجز لسيرة مؤسّسه، التي رواها في مناسبات مختلفة، وكتب مجيباً عن سؤال تردّد كثيراً: لماذا جُمعت كل هذه الأشياء في المقام الأول؟ ولماذا أُقيم لها متحف ليرتاده الجمهور؟ وليكون مَعلماً من معالم الكويت؟ تضمّنت الإجابة مسيرة حياة ساعية، في دروب المعرفة وبذل المال، إلى إلقاء الضوء على الحضارة العربية/ الإسلامية من منطلقات عدّة، أبرزها حفظ الذكرى لأجيال المستقبل، وتوفير مادّة تساهم في تنوير وتوجيه الفنّانين والحرفيين والصنّاع إلى قيم الجمال التي حملتها فنون أسلافهم، فاستنارت بها الشعوب المجاورة والبعيدة، وكانت مصباحها للخروج من ظلمات القرون المعتمة.

في هذه المسيرة، لعب الحظّ دوراً، كما قال السيد رجب، في إحدى مقالاته، والحظّ االمقصود هنا أنه نشأ في عائلة تشتغل في التعليم، ما شجّعه على القراءة في سن مبكرة؛ إذ كان يحبُّ الجلوس بجوار جدّه سيد عمر، يراقبه وهو جالسٌ إلى مكتبه يخطّ بريشته آية قرآنية أو حكمة مأثورة، أو يؤلّف كتباً تربوية لمدارس الكويت النظامية في بداية عهدها. وجاءته فرصة مشاهدة الموضوعات والأشياء التي يراها رؤيا العين ويدرسها ويتمتّع بها، حين أرسلته حكومة بلاده لدراسة الفن وتاريخه في بريطانيا. وهناك، وبفضل أكاديميين ومهتمّين بموضوعات الفن الإسلامي، تعرّف أكثر إلى ثقافته الإسلامية وتراثها المدهش، أو اكتشفه، على حد تعبيره، واكتشف ذاته على وجه الحقيقة، ثم عاد إلى الكويت بهذه الذات مزوّداً بحب الآثار، وبمهارتَي الرسم والتصوير.

بعد عودته عام 1958 مع زوجه، عمل أستاذاً في إحدى المدارس الحكومية لمدّة سنة، ثمّ عُيّن مشرفاً، قبل أن يتولّى منصب مدير "دائرة الآثار والمتاحف الجديدة" في الوزارة. رغم الصعوبات التي واجهها أحياناً، كانت تلك السنوات مميّزةً، كما يقول؛ إذ قضى زمناً طويلا في جزيرة فيلكا، على بعد عشرين كيلومتراً من سواحل الكويت العاصمة، منقّباً في المواقع اليونانية ومواقع ترجع إلى العصر البرونزي، مع "بعثة جامعة آرهوس" الدنماركية التي قامت بعمليات تنقيب بين 1958 و1963.

بعد ذلك، لاحظ أن ثمّة قصوراً في الحفاظ على الماضي الذي "كان يجب أن يظلّ ماثلاً أمام أنظار الشباب، ليفهموا فهماً أفضل ويعوا ماضيهم المجيد والشاق في الوقت نفسه، ويُصبح بإمكانهم الاعتزاز به".

هذه التجارب، إضافةً إلى اهتمامه بالآثار، هي ما قاده وزوجه إلى العناية بجمع المفردات والأعمال الفنية العربية/ الإسلامية قدر استطاعتهما. وكان هذا الاشتغال يتدرّج ويتوسّع بمرور الزمن، وهما يسافران عبر الطرق البرّية الوعرة في تلك الأيام بسيّارة وبيت متنقّل في أرجاء بلدان المنطقة. كلّ ذلك على أمل أن يتمكّنا في النهاية من عرض هذه المقتنيات أمام الأنظار.

كان ذلك أمراً ضرورياً، كما قال، في ضوء واقعة أن هذه المقتنيات تساهم بشكل كبير في النهضة وتوسيع الآفاق المعرفية، إضافة إلى المتعة الجمالية التي توفّرها خصائصها البصرية، مما يجعل الحفاظ عليها تمسّكاً بأدلّة على ثراء الماضي لأغراض تربوية وتعليمية أيضاً.

الفكرة وراء هذا أن الكثير من هذه المفردات والأعمال الفنية، بأساليبها وأنماطها، وبمعرفة لماذا صُنعت وكيف، قد تشكّل، أيضاً، مصدرَ إلهام للفنّانين والحرفيين والصنّاع من الأجيال الجديدة، وتعرّف الزوّار من مختلف البلدان الأجنبية، ولو قليلاً، إلى الماضي العربي الإسلامي وإسهاماته في تطور الحضارة الإنسانية.


* من مقدمة كتاب يصدر قريباً عن المجلس الوطني للفنون والآداب في الكويت، "مجلة فنون"، تحت عنوان "طارق رجب.. الفنان.. وعالم الآثار.. وجامع التحف الإسلامية" 

المساهمون