لماذا لا يثور الشعب المصري؟

14 نوفمبر 2019
+ الخط -
تشتكي نخب مدنية معارضة بالخارج، تؤيدها شرائح ذات مرجعية إسلامية، "بلادة الشعب" المصري وركوده، وعدم رغبته في تغيير واقعه المرير؛ بل إن بعض المثقفين صاروا يبحثون في تاريخه عن "إثبات لبلاهته وغبائه"، وأحياناً يلوون عنق الأثر ليبرهنوا على صحة آرائهم.

تشعر تلك النخب المعارضة براحة ضمير كبيرة وهي تعلق خطاياها في رقبة الشعب، فهو من أضاع الثورة، ورقص أمام لجان انتخاب السيسي الفارغة، ومن تشترى ذمته ليدعم الطاغية في مقابل وجبة متواضعة، إذن فهو يستحق القهر! اتهامات لا تدل إلا على نقص معرفة بعض النخب بطبيعة وتاريخ ونفسية شعب تتحدث بالنيابة عنه.

الحقيقة أن هذه النخب قد أغفلت أموراً عدة

أولاً: إنها تجلد الشعب المصري لقبوله الذل كلما ظهرت بوادر حراك في أي دولة، وتنسى أنه قد ثار بالفعل، ثورة عظيمة، أنتجت نظاماً ديمقراطياً محترماً، ورئيسا منتخباً ومجلسي شعب وشورى، ودستوراً متزناً. قدمت ثورة مصر نموذجاً متميزاً بشقيها الحركي والسياسي، إلى أن تم الانقلاب عليها مع سبق الإصرار بسلسلة مذابح صادمة لم ير المصريون مثلها في تاريخهم الحديث، واكتمل بتخلص النظام المنقلب من رئيس شرعي كان آخر مكتسباتها.


ثانياً: إن النخبة المدنية تعد أساس ما آلت إليه الثورة من تخبط، وما آل إليه تزييف وعي الناس؛ فنخبة نادت بمبادئ في يناير/ كانون الثاني 2011 ثم سحبتها في يونيو/ حزيران 2013 شكلت صدمة معرفية لرجل الشارع؛ فكل شعار نادوا به نقضوا غزله، فمن أين سيفهم العامي معنى الثورة وأهدافها، إذا كان معلموه لم يحفظوا لمصطلحاتها معناها الحقيقي، وكيف سيثبت هو على مبدأ وقد رأى رموز ثورته قد نبذوا عهودهم؟!

ثالثاً: تجاهلت النخب العقل الجمعي المستتر في لاوعي المصريين الذين يعلمون بشكل فطري أن القوة تغلب الشجاعة، وأن السلاح يغلب العدد، وأن الجيش ليس بهذه الطيبة التي أظهرها، لذلك تراجعوا عندما كسر الطيران حاجز الصوت فوق رؤوسهم في ميدان التحرير، وعندما قتلوا بوحشية في مذابح كان آخرها رابعة والنهضة، وعندما خابت آمالهم في ثورة يناير بعدما اكتشفوا أن العسكر استثمرها لخلع مبارك فقط. لم تُعِد الثورة للشعب أياً من حقوقه، فأدرك أنه لم يسترد بلاده، وآثر أن يقلل خسائره ويسكن. يعلم الشعب أنه لن يفل الحديد إلا الحديد، لذلك فهو ينتظر انقلاباً داخل الجيش.

رابعاً: ما زالت بعض النخب لا تريد مصارحة الشعب بحقيقة ما جرى في ثورة يناير، وتستمر في تقديم فرضيات وهمية وتنتظرمن الشعب الحلول، بينما ينتظر الشعب منها أن تقود، وفي النهاية يعرف الشعب أي النخب تعمل، وأيها تثرثر.

خامساً: إن العسكر قتل اعتزاز المصري بذاته ودهس طموحاته. تمتلئ مواقع التواصل بسخرية المصريين من أنفسهم ومن ثورتهم وحتى من نجاحاتهم التي سرب إليهم النظام من خلال إعلامه فشلها. لم تصلح النخب هذا الخلل بالتوعية، بل انساقت تسخر هي الأخرى.

سادساً: إن التنكيل بزعماء الثورة في السجون، وإظهار بعض رموز ثورة يناير كمختلين عقلياً، يتناولون مخدرات، ويشاركون صوراً لهم ومقاطع فيديو تمتلئ سباباً، أرسل رسائل كارثية للمصريين فحواها أن انظروا! هذا مصير من يثور.

سابعاً: إن ما خلفه الانقلاب من انهيارات في بنية النخبة السياسية المصرية، جعلت من الصعب اجتماعهم على هدف واحد، فكل طرف يخشى أن يركب الآخر الثورة. فنجد أن بعض النخب ذات الشعبية الواسعة تتقدم للقيادة، فتعرقلها نخب أخرى شعبيتها محدودة تريد الإمساك بزمام الأمور.

ثامناً: لم تضطلع النخبة بدورها التوعوي لتثقيف الجمهور ثورياً ليتحصن ضد تضليل النظام المنقلب الممنهج.

تاسعاً: تخلط هذه النخب بين طبيعة الثورات في العالم وخصوصية ثورات الربيع العربي، وتريد أن تطبق النموذج العالمي على الواقع العربي دون الالتفات لطبيعة الشعوب النفسية والعقدية والقيمية والتاريخية؛ لذلك غالباً ما تفشل الحلول التي تقدمها.

الخلاصة: إن القفز فوق الأحداث ومحاولة تثوير الشعب عنوة عبر تعنيفه وصناعة ثورة تمحو الفترة من 2012 إلى 2019 لهو موافقة ضمنية على الانقلاب. إن دراسة أحداث ثورة يناير، ومسببات الانقلاب، وفترة حكم رئيس شرعي بشكل موضوعي بعيداً عن المبالغات والتضليل، لهو مفتاح تصحيح المسار، أما غير ذلك فهو عملية استبدال انقلاب بآخر.

إن غياب الوعي لدى قطاع كبير من الشعب المصري سببه أن حكاماً ديكتاتوريين متعاقبين عملوا بجهد لتجهيله لعقود، وعندما أفاق غيّبه من أيقظه من نخبته. إن الشعب المصري ليس نغمة نشاز وسط ثورات الربيع العربي، فهو أول من كتب نوتته السياسية على وقع استحقاقات انتخابية أربع، ومن تابع أعداد من خرجوا للانقلاب على ثورته ومن أيدوا قاتلاً قبض على مفاصل دولته، سيعلم أن هذا الشعب رضخ تحت تهديد السلاح.

من نسي كيف خرج المصريون في يناير، وكم كانت أعدادهم حين ثاروا كسيل هادر اعتراضاً على الانقلاب العسكري، يريد ولا شك أن يزيف التاريخ، وأن يبخس حق شعب كالجمل أثقل الجميع ظهره، فبرك.
7048540C-B765-4399-A999-CB7869F215E2
رانيا مصطفى
باحثة مهتمة بالتاريخ والسياسة والأدب والعلوم الإنسانية. تقول: كل فكرة فى مقال ماهى إلا رسالة فى زجاجة ملقاة فى بحر تتقاذفها أمواج الأيام حتى تصل إلى من يهمه الأمر