عمّ يتحدثون: "لِفْتا" تتحدّى الغياب

09 يونيو 2016
مشهد من لفتا، تصوير: ناتالي حنظل
+ الخط -

منذ إقامة الكيان الصهيونيّ في العام 1948، تقوم مؤسسة الحكم في هذا الكيان، بفروعها وأذرعها العسكرية والأمنية والمدنيّة، بسنّ قوانين وتشريعات شديدة التمييز ضدّ أهل البلاد الأصليّين، سواء من ظلّ منهم مقيما في بيته وأرضه وقريته، أو من جرى تهجيرهم بوسائل وأساليب عدة، وطاولت القوانين جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المختلفة، وهدفت في الأساس إلى "تنظيم" عمليات النهب والمصادرة، أو التدمير والمحو، لعناصر الهوية العربية الفلسطينية للأرض والإنسان، خصوصاً ما يتعلّق بالسمات الثقافية لهذه الهويّة. ومن هذه القوانين العنصرية، قانون "أملاك الغائبين" الذي تستخدمه في النهب والسيطرة والمحو.

وضمن هذا "القانون"، تعرّضت قرية/ بلدة "لِفْتا"، كالكثير من القرى والمدن، إلى محاولات التهويد والاستثمار، من جهة، ويهدف القانون، من جهة مقابلة، إلى منع عودة أي من المهجرين الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي ‏تركوها قبل حرب 1948 أو في أثنائها أو بعدها.

وآخر هذه المحاولات، وباختصار شديد، كانت تستهدف بيع أراضي القرية في المزاد العلنيّ، إذ أعلنت لجنة مخططات بناء المدن عام 2004 موافقتها على البناء في قرية "لفتا"، وبناء على ذلك قامت دائرة "أراضي إسرائيل"، في التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2011، بعرض بيع أراضي لفتا بالمزاد لإقامة منشآت ذات أغراض متعددة، فهو مخطّط يهدف إلى إنشاء مساكن "الاستيطان"، وإنشاء ما يشبه قرية سياحية بكل ما تعنيه الكلمة.

كان تصدّي أهالي القرية لهذه المحاولة قويّا ومثابرا، خصوصا ممّن لا يزالون يعيشون في القدس، عبر المحاكم والمرافعات القانونيّة، حتى استطاعوا إلغاء الصفقة أخيراً. لكن لنعد إلى هذه القرية، لنقرأ ملامحها ومعالمها التي جعلت منها هدفا "مفضّلا"، فكل شبر من أرض وماء وهواء في فلسطين هو هدف، لدى المؤسسة الصهيونية؟ وعن أي غائبين يتحدّث القانون، فيما أهل القرية، المهجّرون وأبناؤهم وأحفادهم، يقبعون غير بعيد عن قريتهم، بيوتهم وبساتينهم وذكرياتهم؟

لمّا عرفنا أن اسم "لِفْتا"، القرية ذات الجذور الكنعانية/ اليبوسيّة، يتحدّر إلينا من اللغة الآراميّة، وهي تعني "الممرّ"، أو "المعبر"، وأنّها اكتسبت اسمها هذا، نتيجة موقعها الاستراتيجيّ "القدسيّ" هذا، منذ ما يقارب ألفي (2000) سنة قبل الميلاد، نظرا للدور الذي لعبته بوصفها المدخل الغربي للقدس، صار في إمكاننا أن نقدّر أو نتوقّع السبب الأساسي وراء الهجمة الشرسة التي تعرّضت لها، أكثر من غيرها من قرى القدس، هجمة تمثّلت في سلسلة مخططات ومؤامرات من قبل قيادات الكيان الصهيوني ومؤسساته التهويديّة.

الحملة على "لِفتا" بدأت قبل النكبة، ففي الأيام الأخيرة من عام 1947، كما يروي عارف العارف، تعرّض أحد مقاهي البلدة إلى "هجوم برشاشات ستنّ، الأمر الذي نجم عنه مقتل ستة من رواد المقهى وجرح سبعة"، مما أدى إلى تهجير سكّانها، وكما هو معلوم فإن هذه السياسة، وسياسة تدمير المنازل تهدفان إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة بيوتهم، و"قد تحقق هذا الهدف إلى حد بعيد"، كما يقول المؤرخ الإسرائيلي، بني موريس. وبلغت الحملة ذروتها في محاولات تهويدها بصورة نهائيّة، عبر استخدام قانون "أملاك الغائبين" الشهير.

هذه القرية/ البلدة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى الكنعانيين، كان اليبوسيّون أوّل ساكنيها، ومرّت عليها شعوب وأمم وحروب، وهي لا تزيد مساحتها على خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية. ومنذ نكبة عام 1948، جرى ترهيب سكّانها، الذين لم يكن تعدادهم يزيد على أربعة آلاف، إرهاب في حوادث القتل، ثم تهجيرهم على نحو ما، وهي اليوم خاوية على بيوتها ومسجدها الشهير، فيما أصبحت بيوتها الخالية مرتعا للسّكارى ومُتعاطي المخدّرات، أما جدرانها فهي تعجّ بالكتابات البذيئة المسيئة للمكان، وخصوصا المسجد والمقبرة.

وبهذه المكوّنات والمواصفات، فإن هذه القرية هي نموذج لواحدة من بين ما يقارب خمسمائة قرية، بعضها جرى تهديمها كاملة، والبعض الآخر تُركت للهجران والخراب والخواء. وهي قد تختلف في جزئيات بسيطة، لجهة أن الكثير من "أهلها" يعيشون على بعد كيلومترات قليلة منها، في القدس، ولا يملكون حقّ العودة إلى بيوتهم وبيارات الصبر والزيتون، التي فقدوها، بل إن القرية تتعرّض، منذ النكبة حتى اليوم، إلى محاولات محو تاريخها العربي الفلسطينيّ، محاولات بدأت بإقامة مبنى "الكنيست" ووزارة الخارجية ومبنى "الجيروزاليم بوست"، والبنك المركزي الإسرائيلي، ومحطة الباصات " إيغد" المركزية، وعدد من الفنادق، على أراضيها.

المشهد العام للقرية يوحي بما يشبه المتحف الطبيعي، فهي تنقسم إلى القسمين السفليّ والعلويّ، بما يشكّل لوحة يغلب عليها الأخضر في سياج من أشجار الصبر (الصبّار) المحيط بها، ولوحة أخرى تتوزّع فيها البيوت والبساتين الصغيرة. أما "جناين لفتا" فهي تلك المزروعة بالأشجار المثمرة من الليمون والزيتون والرمان والتوت، وسط هذا كله نشاهد "عين لفتا"، عين الماء البارد وسط البلدة وتصب في بركتين، الأولى كانت للاستحمام والاستخدامات الشخصية للسكان، وكانت الثانية التي تستظل بشجرة توت كبيرة بركة للغسيل.. وقد تحوّلت عين الماء هذه إلى "مسبح مقدّس" للمتديّنين اليهود!

بيوت القرية المتناثرة على تلالها، ذات طابع معماريّ قديم، يعود بعضها إلى مئات السنين، وخلال حرب 1948، تعرّضت القرية لعدد من الهجمات العسكرية، من قبل العصابات الصهيونية، مما أدّى إلى تدمير غالبية بيوتها الـ 450، (ولم يبق قائما منها سوى 55 بيتا فقط)، ومن أبرز معالمها مسجد، أو مقام، الأمير سيف الدين، وخان الظاهر بيبرس (يعود إلى 662 هجريّ)، ومدرستها التي جرى تأسيسها عام 1929، وفي عام 1940 كان عدد طلابها ثلاثمائة طالب من أبنائها وأبناء القرى المجاورة، أي أننا حيال وضع تعليميّ متقدم نسبيّا في ما يخص قرية بهذا الحجم من المساحة وعدد السكان.

تجدر الإشارة، أخيرا، إلى أن عددا من الشخصيات ذوي المكانة قد ولدوا في هذه القرية، ربما يكون من أبرزهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يحيى حمودة (1909)، وهو أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطيني، وكذلك المناضلة المعروفة رسميّة عودة، التي ولدت عام 1948، وكانت تبلغ من العمر اثنين وعشرين (22) عامًا حين نفذت عملية فدائية مستهدفة سوق "محانيه يهودا" الإسرائيلي في القدس المحتلة، مما أدى إلى مقتل إسرائيليين وإصابة آخرين، وكانت شريكتها في العملية المناضلة، عائشة عودة، وجرى اعتقالهما والحكم عليهما بالسجن المؤبد، ثم نالتا حريتهما عام 1979 بموجب صفقة تبادل أسرى أبرمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، وعرفت باسم عملية "النورس".


(كاتب فلسطيني/ عمّان)

المساهمون