سورية: الكيماوي بين النفاق الغربي والصمت على القتل

07 يونيو 2014
مبادرة فردية سورية للوقاية من الأسلحة الكيماوية (إيردال تركوغلو/الأناضول/Getty)
+ الخط -

 

تحفل الصحف الفرنسية منذ أيام بتحقيقات ومواقف تنصبّ حول الأسلحة الكيماوية في سورية، ويأخذ الحديث منحيين. الأول، هو الانباء المتواترة عن عودة النظام السوري لاستخدام أسلحة كيماوية في الآونة الأخيرة في أماكن مختلفة. والمنحى الثاني هو اقتراب نهاية المهلة للتخلص من ترسانة سورية من الأسلحة الكيماوية في نهاية الشهر الحالي. وحيال ذلك تطرح أسئلة عن الموقف الغربي من استمرار النظام في قتل المدنيين.

ليس ثمة من يشك في أن الولايات المتحدة هي الغرب تقريباً، إذ هي من يقرر سياسات الغرب وهي من يشنّ الحرب ومن يوقفها، إن شاءت، وهي حقيقة اكتشفها الفرنسيون منذ أن عادوا إلى القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في تناقض صريح مع "استقلالية" الجنرال ديغول ودفاعه عن "السيادة" الفرنسية. وهذا ما اكتشفته الثورة السورية التي يدّعي الكثيرون تأييدها والتضامن مع شعبها الذي يتعرض للتقتيل، وحيث لم يظهر أي شيء جدي ومحدد لحدّ الساعة يؤكد هذا التأييد.

وليس من شك في أن الموقف السياسي الفرنسي هو أكثر المواقف تفهّماً للثورة السورية وتضامناً مع شعبها، لكن فرنسا اكتشفت أنها وحدها لا تستطيع فعل شيء كثير. ويشتد الأمر إيلاماً حين استحضار موضوع استخدام الجيش السوري ومؤيّديه لأسلحة محرمة دولياً، ومنها غاز الكلور، ولا يفعل المجتمع الدولي شيئاً لإيقافه وإدانة المسؤولين.

وقد كانت فرنسا، من خلال وزير خارجيتها لوران فابيوس، أول من اتهم النظام السوري باللجوء إلى هذا السلاح الفتاك، أربع عشرة مرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2013. لكن الأميركيين اكتفوا بتوجيه تحذيرات دبلوماسية للنظام السوري في غياب "أدلة ملموسة" على هذا الاستخدام. وتجدر الإشارة إلى أن الكلور لا يشكل جزءاً من قائمة الأسلحة التي اعترف النظام السوري بامتلاكها ومنها غازات السارين والخردل وغيرها، كما أن الكلور لا يعتبر سلاحاً كيماوياً رغم قدرته على القتل حين يستخدم بتركيز مكثف.

ويظهر النفاق الغربي جليّاً مع انعدام الرغبة لدى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في إظهار الأدلة المحسوسة المتوفرة لديها عن الاستخدامات الأخيرة للجيش السوري لمادة الكلور. ولا يوجد من تفسير لهذا الموقف الغربي سوى أنه سيُلزمها، أخلاقياً، في حال كشفها للحقائق، بوجوب الردّ والحركة، وخصوصاً أن هذه الدول هي نفسها التي رسمت خطوطاً حُمراً ومحاذير حين يُستَخدم السلاح الكيماوي. وفي هذا الصدد لا يزال الشعب السوري والمتضامنون معه في العالم كله يتذكرون، بمرارة، المواقف الغربية المثيرة للريبة، في شهري آب/أغسطس وسبتمبر/ أيلول 2013، حينما كانت فرنسا متأهبة للقيام بضربات عسكرية ضد سورية لكنها سرعان ما تراجعت عنها بسبب الخذلان الأميركي الكبير.

وقد تسبب بعض الجدل المثار حول موضوع الكلور القاتل في قرار إرسال لجنة دولية للتحقق من صحة هذه المعطيات التي سلَّمَتها فرنسا لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية ومن الشهادات المتطابقة المتوفرة لدى بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، لكن موكب المفتشين تعرض لاعتداء، فاختطف أعضاؤه، على أيدي "مسلحين" قبل أن يطلق سراحهم ويعودوا إلى دمشق من دون إنجاز أي شيء.

والحقيقة أن الدول الغربية لا تريد أن تتحرك فعلاً، في هذا الموضوع، وتتذرع دوماً بالفيتو الروسي المشرع، الذي تودّ اجتنابه، وهو ما يساعدها على إخفاء انقساماتها وتردد مواقفها، وأيضاً الحرص على ألا يصل التوتر مع روسيا إلى مستويات القطيعة.

للحقيقة، لا يبدو الغربيون مكترثين إلا بالعمل على تجريد سورية من ترسانة سلاحها الكيماوي، ولا يرى المُراقِب الدقيق للمأساة السورية من جدّيّة في المواقف الغربية إلا في هذا المضمار، حيث تتكاثف جهود أميركا والنرويج والدنمارك وبريطانيا وفنلندا. وما يعطي صدقيةً لهذا التخلي الغربي عن الشعب السوري وثورته، هو هذا الموقف الفرنسي أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، الذي قدّر أن "النظام السوري لا يزال يحتفظ بقدرة على الاستخدام الهجومي بالسلاح الكيماوي ويحتفظ بإرادة استخدام هذا السلاح" وهو ما يعني، في نظر الفرنسيين، "أن التهديد الكيماوي لا يزال موجوداً طالما لم يتم الوصول إلى هدف التفكيك الكامل".

ولكن إذا كان الغربيون يقضون كثيراً من الوقت ومن الجهد من أجل تفكيك السلاح الكيماوي المستخدم ضد الشعب السوري وثورته، وهو ضروري، فإن الشعب السوري لا يزال يتعرض لذات القتل والإبادة حيث يلجأ النظام إلى وسائل قتل، كسلاح الطيران الحربي والبراميل المتفجرة، وهي لا تقل فتكاً عن سلاح الكلور وغيره.

وإزاء هذه المَشاهِد المروعة لا يزال الغرب "الديمقراطي" مُحايِداً، لأن تفكيك السلاح الكيماوي ومادة الكلور، لا يعني، أبداً، أن الشعب السوري قد تخلّص نهائياً من آلة القتل الأسدية.