رافي شانكار: أن يصبح العالم شريكاً موسيقياً لك

12 ديسمبر 2019
وضع الموسيقى التصويرية لمعظم الأفلام الهندية(دون نيلسون / Getty)
+ الخط -
في سن العاشرة، غادر رافي شانكار (1920 - 2012) وطنه الهند، متّجهاً إلى باريس، مع فرقة أخيه الراقصة، ليصبح عضواً فيها ولم يتجاوز الثالثة عشرة. تنقل بعدها مع الفرقة في عدد من العواصم الأوروبية، ليتعرف رافي إلى مختلف أنواع الموسيقى، ثم كان لقاؤه بعلاء الدين خان، أحد أبرز الموسيقيين الهنود، ومؤسس مدرسة مايهار للموسيقى الهندوسية. عندها، قرّر شانكار ترك الرقص، وتعلم آلة السيتار على يد أستاذ الموسيقى الهندي، الذي طلب من رافي الانتقال إلى بلدته مايهار في الهند. غادر رافي أوروبا للتلمذة على يد خان، لتبدأ قصته مع آلة السيتار، التي ستقدمه بعد ذلك باعتباره "الأب الروحي للموسيقى العالمية".

السيتار آلة وترية تقليدية يعود أصلها إلى بلاد فارس، ثم ألحقها مغول الهند بتختهم، وتتكون من سبعة أوتار رئيسية، إلى جانب 13 وتراً تستعمل عند الارتجال فقط، والعزف عليها يكون بريشة معدنية توضع في إبهام اليد اليمنى. ومثله مثل بقية آلات التخت الهندي، يعزف على السيتار في وضعية الجلوس على الأرض.
كان السيتار قبل رافي لا يعرف غير الموسيقى الهندية التقليدية التي تعتمد على اللحن والإيقاع، لا الهارموني والكوردات ومزج الألحان، كما في الموسيقى الغربية الكلاسيكية، فأنطقه شانكار بألحان تعانقت فيها الأنغام الهندية بالموسيقى الغربية، إذ رأى رافي أن الاثنتين تشتركان في الأصل الديني، فكما تعود الموسيقى الغربية الكلاسيكية إلى الكنيسة، يرجع نظام الموسيقى الهندية المعروف باسم Raga Sangeet إلى التراتيل الفيدية للمعابد الهندوسية.
الإحاطة بالموسيقى الهندية وبالسيتار استغرق من شانكار ست سنوات لازم فيها علاء الدين خان، اشتغل بعدها ملحناً في بومباي ودلهي، بجانب توليه رئاسة راديو عموم الهند، كما أنشأ أوركسترا الغرفة الوطنية "فاديا فريندا". وفي عام 1956 شرع بجولة في أوروبا والأميركتين، مسجلاً ألبومه الأول Three Classical Ragas في نفس العام، لتتتابع بعدها ألبوماته.
في تلك الفترة الثرية، عمل شانكار محاضراً في عدد من الجامعات الغربية عن السيتار والموسيقى الهندية، كما أسس مدرستين للتعليم، واشترك في عدد من المهرجانات الموسيقية البارزة، مثل "مونتيري بوب" و"وودستوك" و"ليدز". وفي ستينيات القرن الماضي، ارتبط اسمه بجورج هاريسون من فرقة البيتلز، فتعاونا بالعديد من المشاريع الموسيقية، وبلغ حضور شانكار في تلك الفترة أن حرّض في اتجاه استعمال السيتار وغيره من الآلات الهندية بموسيقى البوب، ليلقبه هاريسون بـ "الأب الروحي للموسيقى العالمية".

دفعت رغبة شانكار في انفتاح موسيقاه على مختلف أنواع الموسيقى إلى تعاونه مع فنانين، أمثال عازف الكمان البارز مينوهين، فقدما مقطوعة "الشرق يلتقي الغرب" West meets east، كما شارك عازف الفلوت الفرنسى جان بيار رمبال فى عزف مقطوعة "عشق الصباح" Morning love، وتعاون مع عدد من الموسيقيين اليابانيين في بعض المشاريع الناجحة، كما ألّف مقطوعات كونشرتو بـ"السيتار" وبالأوركسترا لكل من "أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية" و"أوركسترا لندن السيمفوني".
نجاح تلك التجارب رشّحه لوضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام الوثائقية والسينمائية الهندية والعالمية، أشهرها فيلم غاندي للمخرج ريتشارد اتبنرو (1982)، ليصبح شانكار أحد أكثر الموسيقيين العالميين حصداً للجوائز، فحاز على جائزة الغرامي خمس مرات، وجائزة Praemium Imperiale Arts من اليابان، وجائزة فوكوكا للثقافة الآسيوية، وجائزة الموسيقى القطبية من السويد، وأعلى وسام مدني بالهند، "بهارات راتنا"، ووسام جوقة الشرف من فرنسا، ووسام الإمبراطورية البريطانية من رتبة قائد، وجائزة طاغور الهند، كما عيّن عضواً فخرياً في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، بجانب منحه الدكتوراه الفخرية من سبع عشرة جامعة.
هذا الكم من الجوائز والتكريمات، وإن دلّل على مدى ما حققه رافي للموسيقى الهندية من جماهيرية، لكنه حرّض عدداً من الموسيقيين الهنود البارزين على انتقاده بوصفه "مدمر الموسيقى الهندية التقليدية"، وهي تهمة نفاها شانكار؛ إذ رأى أن من يتهمونه يخلطون بين دوره كـ "مؤلف للموسيقى ومؤدٍ". يقول: "بصفتي مؤلفاً، اختبرت كل أنواع الموسيقى، ولم أستثن أياً منها عند التلحين، بينما حين أعزف على المسرح، ألتزم شيئاً فشيئاً بالأصول الكلاسيكية والأرثوذكسية للموسيقى الهندية التزاماً أميناً، لأحمي التراث الذي اكتسبته".
أشرك شانكار العالم في الاستمتاع بالأجواء الروحية للموسيقى الهندية، في الوقت ذاته كان له السبق في تجديد الموسيقى الكلاسيكية الهندية عبر إدماج التقنيات والآلات الغربية بالتخت الهندي. كان رافي، بتوصيف الموسيقي الهندي بيكرام جوش، قادراً على مخاطبة كل جانب من جوانب الموسيقى، على عكس الآخرين الذين ركّزوا فقط على مناطق معينة من الموسيقى.
في حفلاته، اعتاد شانكار إشعال البخور مطالباً الجمهور بعدم التدخين ليجلس القرفصاء ويبدأ بالعزف، ولعل أكثر هذه الحفلات غرابة وتميزاً، وما زال يتذكرها مريدو الموسيقار الهندي، تلك التي أقيمت ضمن واحد من أهم المهرجانات بتاريخ الموسيقى الشعبية "وودستوك" (1969).


جلس عازف السيتار الأشهر على المسرح المكشوف وحوله أعضاء فرقته، وبمجرد أن بدأ العزف هطلت أمطار غزيرة تصاحبها رياح قوية، لكن رافي، وكذلك الجمهور الذي بلغ قرابة 400 ألف، أحاطهم نغم السيتار بطبقة روحانية عازلة بثت السكينة والنشوة في النفوس؛ فتجاهلوا الجو العاصف، واستمر رافي في العزف، إلى أن أنهى فقرته، بينما رفض غيره من فنانيين الصعود على المسرح. كان الأثير مفعماً بالمتعة والروحانية لا بالمطر، بتعبير بعض من حضروا الحفل الموسيقى الأضخم.
دلالات
المساهمون