جماجم الجزائريين: سجال في زاوية صغيرة

09 يناير 2018
(جماجم مقاومين جزائريين في "متحف الإنسان" الباريسي)
+ الخط -
بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع الشهر الماضي استعداد باريس للقيام بإرجاع جماجم قادة المقاومين الجزائريين إلى بلادهم، أظهرت التصريحات التي أطلقها مسؤولون وباحثون على ضِفّتي المتوسط تعقيدات جديدة في ملف إحدى جرائم الاستعمار الفرنسي التي تعود إلى القرن التاسع عشر.

الأنثروبولوجي والباحث في تاريخ المقاومة الجزائرية علي فريد بلقاضي، فنّد منذ أيام ما أورده مدير "متحف الإنسان" الباريسي في حوار لصحيفة جزائرية بأن "عدد جماجم المقاومين الجزائريين الموجودة في المتحف سبع فقط"، بينما يؤكد بلقاضي أنه تعرّف بنفسه على أسماء 23 مقاوماً لا تزال توجد جماجهم هناك.

الجزائر وجّهت الأسبوع الماضي طلباً رسمياً لفرنسا من أجل استرجاعها، وهي المرة الأولى فعلياً التي تطالب الحكومة عبر وزارة خارجيتها باستعادة جماجم الثوار، بعد دعوات شعبية صدرت في الثلاث سنوات الأخيرة، أبرزها حملة جمعت ملايين التواقيع التي تطالب بذلك.

وكان بلقاضي قد كشف عام 2011 عن هذا الملف، لكن العقبة الثانية تتعلّق بباريس التي يتعيّن عليها إلغاء قانون يدرج هذه الجماجم ضمن التراث الفرنسي أو تعديله عبر البرلمان، ما يعكس عدم الجديّة في الاعتذار عن ماضٍ استعماري تسبّب بقتل الملايين والاتجار بملايين أخرى كرقيق؛ الإرهاب الذي مارسته بلدان أوروبية ولا تزال تتمسك بآثار تدل على جرائم في المتاحف من دون شعور بالذنب تجاه ذلك، وتسمح لنفسها بإدانة آخرين يكرّرون جرائمها اليوم!

كما يتيح القانون ذاته استغلالها في الدراسات المقارنة الخاصة بعلم الإنسان والأجناس البشرية، وهو الأمر الذي تنفي السلطات الفرنسية إجراءه على تلك الجماجم التي تخصّ الثوار، إذ تحفظها في قاعة مغلقة ولا تعرضها أمام زوار المتحف.

من جهة أخرى، يبدو مستغرباً أن يقتصر الجدل بين حكومتي فرنسا والجزائر على جماجم قادة المقاومة والاختلاف على عددهم، من دون حديث جدّي عن استعادة 18 ألف جمجمة هي مجموع ما يحتفظ به المتحف لجزائريين قتلوا على يد الاحتلال الفرنسي (1830 – 1962) أو أجبروا على القتال في صفوف جيشه أثناء الحربين العالميتين وقضوا فيها، أو جُمعت خلال ما يُسمّى "بعثات التنقيب"، ولم يجر التعرّف سوى على هوية أصحاب 500 منها فقط.

وأن ينحصر النقاش في جزئية بسيطة في سياق الانفتاح السياسي بين باريس والجزائر، بينما تصمت النخب الفرنسية عن مراجعة صلب المسألة باعتبار ضحايا استعمارهم جزءاً من التراث الذين يمتلكونه وكأنها قطع أثرية جرى العثور عليها في بلاد الغال. ربما يبدو ذلك نتيجة متوقّعة ما دام الطرف الآخر ليس لديه الجدية والاهتمام الكافيين للمطالبة بحقوقه.

المساهمون