بين التعاقد والتراحم

10 فبراير 2015
+ الخط -
تخضع العلاقات الإنسانية إلى صيغتين أساسيتين: الصيغة التعاقدية المرتبطة ارتباطاً وثيقا بالمنفعة، والتي لا تؤمن إلا بمنطق ''خذ'' في مقابل ''هات''، والصيغة التراحمية المستندة إلى الإيمان بأحقية كل إنسان في الحياة.

يرى المفكر المصري، عبد الوهاب المسيري، أن الصيغة التعاقدية تخضع الإنسان لمفهوم التسليع، بحيث يصبح كل شيء له مقابل وخاضعاً للتبادل النفعي، في حين يعتبر أن الصيغة التراحمية جوهر الإنسان، ويقدم، في هذا الصدد، وقائع عديدة عايشها، إذ يروي، في إحداها، كيف أن امرأة فقيرة كانت تبيعهم بعض المتاع الرخيص، وكيف أنه ردها، ذات يوم، خالية الوفاض، قائلا لها: عندنا منه في البيت ما يكفينا، ولا حاجة لنا ببضاعتك، فلما أسـر لوالدته بما حدث، صرخت في وجهه، ولامته لوما شديدا قائلة له: ألم تعــــلم أننا لا نشتري منها ما نحن بحاجة إليه، بل نمدها بالمال، لكي نقيها ذل السؤال؟

كما يروي، في واقعة أخرى، السلوك الذي نهجته إحدى الشركات العملاقة المختصة في إنتاج السيارات، بعد أن شاب أحد الأجيال عيوب كثيرة، ارتفعت، على إثرها، حوادث السير في صفوف الزبائن. فانعقد مجلس إدارتها، ليقرر أي الحلين أفضل: سحب هذا الجيل من السيارات؟ أم تعويض الضحايا؟ واستقر الأمر، في الأخير، على إبقاء منتوجهم مع تعويض الضحايا، لأن خسائرهم ستكون أقل بعشرات المرات من قرار السحب النهائي، وقد علق المسيري على هذا الفعل، قائلا: إن الإنسان هو آخر ما وضعته الشركة في الحسبان.

تؤكد هذه الوقائع وغيرها لنا، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المجتمع التعاقدي يتناقض كليا مع المجتمع التراحمي الذي يعتبر إنسانية الإنسان قطب الرحى، فنحن نعيش، اليوم، في زمن تشييء الجنس البشري الذي صوره المسيري، وفق الرؤية التالية: ''... ولنتخيل، الآن، إنساناً يلبس "تي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي، بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء السابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي، تم طبخه بطريقة نمطية، وينام على سرير وظيفي، ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك. سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة، عليه أن يجري بسيارته المستوردة، بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي"، ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات، أو المغمورات، ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف، لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر، من دون أن يثير أي تساؤلات أخلاقية، أو فلسفية؟''.

C889CE5C-4284-433F-9F64-4EAE58CA3FFC
C889CE5C-4284-433F-9F64-4EAE58CA3FFC
عبد الفتاح عزاوي (المغرب)
عبد الفتاح عزاوي (المغرب)