السفر عبر الزمن: ثلاث معضلات سينمائية

16 أكتوبر 2018
ماذا لو سافرت إلى الماضي لتقتل جدّك؟(جيمس وايتكير/Getty)
+ الخط -
لطالما تساءلنا في ما بيننا أو أثناء مشاهدتنا للأفلام: هل فكرة السفر عبر الزمن مقبولة؟ هل السفر عبر الزمن ممكن؟ يمكن أن يحدث هذا إذا كسر الإنسان العلاقة التي تربط بين وقته الشخصي والوقت الخارجي، وإذا أراد أي شخصٍ أن يسافر عبر الزمن، فإن عليهِ أن يتجنب التناقضات المنطقية لينجح. وحسب نظرية أينشتاين، "النسبية الخاصة"، فإن الوقت يمر بمعدلات مختلفة عند الإطارات المرجعية أثناء الحركة النسبية. بمعنى، لو أنا سافرت بسرعة كافية للنظام الشمسي، فإن خمس دقائق من وقتي الشخصي قد تساوي مئات السنين للبشر على كوكب الأرض. عليه، وحسب أينشتاين، فإنه يمكن السفر عبر الزمن. وكَون السفر مُمكناً نظريًا، فلا يعني هذا أنه يمكن تطبيقه عمليًا، خصوصًا لكثرة التناقضات والمعضلات المنطقية التي تمنع حدوثه. كثير من الأفلام والمسلسلات (خصوصًا في الفترة الذهبية للشاشة الصغيرة) في هوليوود تناولت السفر عبر الزمن ووقعت في هذه المعضلات، وهنا نحن نستعرض هذه المعضلات في سياق عددٍ من المسلسلات والأفلام. 

وجود شبحيّ
معضلة القضاء والقدر، هي المعضلة التي تحدث حين يسافر أحدهم إلى الماضي محاولًا منع أمرٍ ما من الحدوث، ليكتشف لاحقًا أنه لا يمنعه وإنما يلعب دورًا في حدوثه. بعبارة أخرى، من المقدّر أن يحدث نفس الحدث مرارًا وتكرارًا مهما حاول الشخص المعني تغييره، وقد حصل الأمر ظاهرًا في مسلسل الأبطال Heroes، حين حاول هيرو ناكامورا العودة إلى الزمن. وظهرت هذه المعضلة أيضًا ظهورًا جليًا في فيلم قضاء وقدر (2014) Predestination، حيث حاول جون أن ينقذ جين من انكسار قلبها الذي سببه "عاشق غامض"، ليعود في الزمن، ليقع هو في حبها ويسبب له كسر القلب الذي حاول في الأساس أن يمنعه. ومثال آخر، هو حبكة فيلم دوني داركو Donnie Darko التي تدور حول السفر عبر الزمن، على الرغم من عدم وجود آلة، ولا يعود البطل الذي سمي الفيلم باسمه في الزمن نفسه. وبدلاً من ذلك، يتعلم دوني خلال الفيلم أنه يستطيع التلاعب بالوقت وتغيير الأحداث التي حدثت بالفعل، ولكنها مهارة لا يدركها إلا لأنه هُوَ من المستقبل قد استخدمها بالفعل، ما أدى إلى خلق دوامة الدمار اللولبية والتي يجب منعها من خلال تعلم التلاعب بالوقت وإعادة خلق نفس الدوامة مُجددًا.

يقدم فيلم (2014) Interstellar مثالًا حديثًا على هذه المعضلة. ففي وسط أزمة مناخية قاسية، تبدأ رسائل شبحية بالظهور إلى رائد الفضاء جوزيف كوبر وابنته الصغيرة، تشير إلى منشأة سرية لناسا حيث يتم تجنيد كوبر للسفر عبر ثقب دودي إلى ثقب أسود هائل في مكان بعيد. في سياق مهمته للعثور على كوكب آخر أفضل ليعيش فيه باقي البشر، يقع كوبر في الثقب الأسود، ليقابل هناك ذكاء متقدمًا يحميه من التفرد في الثقب الأسود. وفي أثناء احتجازهِ داخل مكعب فائق رباعي الأبعاد (الذي بنته كائنات فائقة الأبعاد)، وحيث كان ينتقل كوبر عبر الزمكان مرة بعد مرة إلى الأرض ثم يعود مُجددًا، يدركُ كُوبر وقتها أنه هو الوجود الشبحي الذي كان يتواصل مع نفسه الأصغر عمرًا سابقًا في أول الفيلم. يجد كوبر أنه يستطيع تمرير الحل للأزمة الإنسانية والتي تعلمها خلال رحلته المؤلمة إلى ابنته البالغة في المستقبل، لكنه يدرك أيضًا أنه يجب عليه إغلاق حلقة المعضلة (معضلة القضاء والقدر) عبر إرسال رسائل إلى نفسه وهو أصغر عمرًا ليدفع بنفسهِ (الأصغر عمرًا) نحو الإجابات التي تسعى ابنته إليها.



زمن بديل
تخيل أنّك استخدمتَ آلة للسفر عبر الزّمن لتعود إلى الماضي وتقتل جدك في صغره. بقتلك لجدّك لن يكونَ لوالدكَ وجودٌ وبالتالي لن تولدَ أنتَ ولن تسافرَ عبر الزمن وتقتل جدّك! شيء محيرٌ أليس كذلك؟ هذا ما يعرف بمعضلة الجد "Grandfather Paradox"، وقد حيّرت هذه المعضلة العلماء لوقتٍ طويلٍ، وخاصة مناصري السفر عبر الزمنِ منهم. بعض العلماء قالوا إن هناك حلين لهذه المعضلة؛ أما الحل الأول، فهو نظرية أن الخط الزمني يحافظ ويحمي نفسه من التناقضات، فلو أنت سافرت عبر الزمن لتقتل جدك، وأخرجت المسدس لتطلق عليهِ النار فإن المسدس لن يعمل ولو حاولت أن تقتله بأي طريقة أيضًا، فلن تنجح في أيٍ منها، ولكنك قد تترك عليهِ بعض الندبات التي سيخبرك عنها لاحقًا أن لصًا ما قد تسبب بها. أما الحل الثاني، فهو حل فرضية الأكوان المتعددة (خطوط الزمن المتعددة)؛ فلو أنت سافرت عبر الزمن لتقتل جدّك، وأخرجت المسدس وأطلقت النار، ونجحت في قتلهِ، ثم عدتَ مُجددًا إلى الحاضر، فإنك ستكون قد عدت إلى حاضرٍ أنت لستَ موجودًا فيه، وستجد أن كل شيء عنك قد اختفى (عائلاتك وأصدقاؤك ومنزلك وممتلكاتك وحساباتك البنكية)، وهذا يعني أنك قد خلقت خطًّا زمنيًا جديدًا بديلًا، أو أنك قد دخلت إلى كونٍ موازٍ. وخير مثال على استخدام الحل الثاني كحل لمعضلة الجد، هو مسلسل فلاش The Flash، فعندما عاد باري آلن إلى الماضي لينقذ أمه، وجد نفسه قد أنشأ خطًا زمنيًا بديلًا أسماه "فلاش بوينت". ونفس الأمر حصل في مسلسل 11.22.63 من بطولة جيمس فرانكو الذي يكتشف خزانة تعود إلى الماضي (إلى تاريخ معين فقط)، وكل سنة يقضيها البطل داخل الخزانة تعادل دقيقة واحدة في الحاضر، لاحقًا يستخدم فرانكو الخزانة ليحاول منع اغتيال جون كيندي، ظنًا منه أن العالم سيكون مكانًا أفضل، ولكنه حين ينجح في منع قتله ويعود إلى الحاضر، يجد أميركا حينها خرابًا ودمارًا.



وظهرت المعضلة أيضًا في الحلقة الأولى من مسلسل Timeless، حين عادت لوسي بريستون (الخبيرة بالتاريخ الأميركي) بصحبة فريق نخبة إلى الماضي، ليمنعوا مجرمًا عبقريًا من تدميره عبر عودتهِ إلى تاريخ حادث تحطم المنطاد هيندنبورغ، ولكن وحين عودتها إلى الحاضر مُجددًا، تجد أن أختها اختفت (أي أنها لم تولد أصلًا) وأنها لم تعد مخطوبة وأن أمها لم تعد مُصابة بالسرطان، أي أنها هي وفريقها، وبسبب ما حصل مع المجرم، قد خلقوا خطًّا زمنيًا جديدًا.
وكثيرة هي الأفْلام التي احْتوَت على مُعضِلةِ الجد، وخير مثال عليها هي سلسلة أفلام العودة إلى المستقبل Back to the Future، حيث يقوم المسافر عبر الزمن مارتي مكفلاي بإفساد البدايات الرومانسية بين والديهِ ما يودي بأمه إلى الوقوع في حبهِ هو، لدرجة أنه بدأ بالتلاشي من الوجود، وبدلًا من أن يتعلم من خطئهِ، يحاول بعدها مارتي التلاعب في مستقبل نفسهِ ما يؤدي إلى معضلة جد أخرى والتي تكون عواقبها أسوأ بكثير من وجود خطٍ زمني بدونهِ، ولم يعرض صناع الفيلم مارتي لأي من حلول هذه المعضلة المذكورة أعلاه كما حصل في المسلسلات، ولو أتينا للأمر على سبيل المعضلة والمفارقة، فإن أكبر مفارقة في الفيلم، هي عدم معرفة والدي مارتي أن الرجل الذي عرفهما على بعضهما البعض يشبه ابنهما المراهق لدرجة كبيرة جدًا.

البِداية
معضلة البداية هي ظاهرة زمنية يُخلق فيها المسافر الزمني (سواء كان شخصا أو كائنا أو معلومات) ذاتيًا ويكون موجودًا داخل حلقة زمنية مفرغة تكون فيها سلسلة الأحداث المُسبِّبة والمُتأثِّرة في دائرة متكررة مستمرة، بحيث يختفي المسبب الحقيقي. مثال هذه المعضلة، تخيل أنك قمت بتصميم آلة للسفر عبر الزمن، ثم سافرت إلى الماضي وأعطيت نفسك طريقة للسفر عبر الزمن لكي تصمم الآلة، من صمم الآلة إن كنت في كل مرة يأتيك التصميم فيها جاهزًا ويكون عليك التطبيق؟ مثال آخر، تخيل أنك سافرت عبر الزمن إلى الماضي، وأعطيت شكسبير نص هاملِت، من يكون كاتب النص وقتها؟ إن حصل عليه شكسبير منك، إذًا فهو ليس كاتبها؟ وهكذا تدور الحلقة دون معرفة السبب. عند ذكر هذه المشكلة في سياق الأفلام، فإن أول فيلم يعود للذاكرة هو فيلم (2014) Predestination مُجددًا، فجون هو سبب ولادة نفسه ويتعين عليه العودة عبر الزمن إلى الماضي في الوقت المناسب ليمارس الجنس مع نفسه (جين)، ليولد طفل يسافر عبر الزمن إلى الماضي ليكبر ويصير جون وجين. والنتيجة هي حلقة سببية تأخذ معضلة "من أتى أولًا، الدجاجة أم البيضة؟" إلى مستوى جديد كليًا.

من المهم أن ندرك أيضًا أن حلقة السببية تكون موجودة بشكل منفصلٍ عن الزمكان العادي، فبينما يتكرر الوقت نفسه داخل الحلقة المغلقة للشخص المسافر عبر الزمن، يعيش الأشخاص خارج وقت المعضلة الزمنية حياتهم بطريقة طبيعية. نجد تجسيدًا آخر لهذه المعضلة في مسلسل وفيلم 12 Monkeys، عندما يقوم إرهابي ما في المستقبل بإطلاق فايروسٍ يؤدي إلى هلاك أغلب سكان كوكب الأرض، ما يستدعي الحاجة إلى مسافرٍ عبر الزمن ليعود إلى الماضي ويمنع حدوث تلك الكارثة. وطبعًا وبما أن الأمور لا تسير كما هو مخطط لها، فإن مهمة المسافر عبر الزمن لإنقاذ العالم صارت تعوقها النظرة العامة إلى أنه مصاب بفصام ارتيابي (أحد أنواع مرض انفصام الشخصية وهو النوع الأكثر شيوعا وانتشاراً بين الأنواع الأخرى من الفصام) وهو تفسير أكثر معقولية بكثير من الواقع (أنه مسافر عبر الزمن)، مما يقود هذا المسافر إلى الإيمان بأنه مريض نفسي. في النهاية وحتى مع معرفته بالأحداث المستقبلية، لم يتمكن المسافر من منع الكارثة من الحدوث. معضلة وجود مسافر زمني أرسل إلى الماضي ليمنع حدوث أمر كان سببًا في سفرهِ إلى الماضي أدخله في حلقة سببية-تأثير مفرغة، ولكن العائق الحقيقي هو ذاكرته نفسها، والتي كانت تطمس وتُشوه الماضي بما يكفي لجعله يرتكب نفس الأخطاء في كل مرة بشكل حتميّ.
دلالات
المساهمون