"كايرو كشري": شبّاك متنقّل إلى مصر وقصصها

06 نوفمبر 2017
عربة تبيع الكشري في القاهرة (Getty)
+ الخط -
بسيارة زرقاء كبيرة، يتنقل المصريّ محمد رضوان مؤخرًا في أحياء برلين، يطبخ الكشري بأصناف متنوعة ويبيعه ضمن برامج ثقافيّة وفنيّة متنوعة في المدينة، أو تلك التي ينظّمها بدوره مشروع "كايرو كشري"، مشروع عربة كشري بدأ بتأسيسه رضوان مطلع 2016، وخرج إلى الضّوء في أيّار/ مايو 2017 ليقدّم إلى سكّان برلين، بكافة ثقافاتهم، أحد أهم الأطباق المصريّة، لا ليكتفي بكونه "عربة طعام"، بل شباكاً إلى مصر وقصصها.

وصل محمد رضوان (1979) إلى برلين عام 2015، بعدما كان مستقرًا في مصر منذ آذار/ مارس 2011، مؤسّسًا هناك شركة صغيرة تحمل الاسم "آيس كايرو"، وهي بمثابة مساحة عمل، تهتم بالمشاريع والأنشطة البيئيّة لبناء مجتمع أخضر Green Community. وُلد رضوان في ولاية تكساس، وعاش معظم طفولته وشبابه منتقلًا بين مكان وآخر في ظلّ ظروف عمل والده. حصل على تعليمه الأكاديميّ في ولاية تكساس، وترك أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول: "توقعت أن تعلو الأصوات الفاشيّة كما حملة الحرب على الإرهاب المفتوحة والطويلة. شعرت بنفس القلق عندما قررت أن أترك مصر. تعودنا على الحاكم الظالم، لكن عندما تؤيد هذا الحاكم فئة كبيرة من الشعب، خاصة بعد الانقلاب، هذا مؤلم جدًا. لم أستطع أن أبقى في مصر."، يقول رضوان.

سورية ومصر

لم يخطط رضوان للاستقرار في مصر في آذار/ مارس 2011، ففي أيّار/ مايو 2010 انتقل للعمل في دمشق/ سورية، ليدير فرع لشركة مصريّة هناك: "أردت أن أعيش في مدينة أستطيع أن أتحرّك بسهولة ما بينها وبين الأردن ولبنان وتركيا، كنت قد عدت في تلك الفترة من أميركا الجنوبيّة، ولاحظت أن الأرجنتينيّين يتحركون بسهولة في جنوب أميركا بسبب اللغة، فقلت لنفسي: ليه ما بعملش كده؟ أردت أن أعيش في منطقة أحبّها ولها تاريخ عميق وثقافات قريبة من مصر، فوافقت على الوظيفة وانتقلت إلى الشّام"، يقول رضوان.

لم تكن حياته بداية سهلة هناك، حيث أن الشركة عملت في مجال البترول والموضوع له حساسيّة في سورية، وتعرض رضوان إلى تساؤلات وتحقيقات عديدة من قبل الجهات الرسميّة السّوريّة كي يتعيّن رسميًا مديرًا لفرع الشركة هناك.

خلال إقامته في سورية، اندلعت الثورة المصريّة في 25 يناير 2011. وفي نفس اليوم، أصيب رضوان بحرارة عالية، "كنت بهلوِس"، يقول. تواصل أصدقاؤه معه من القاهرة يخبرونه باندلاع الثورة. وكان رده الأوّل: "هو ده بجد!؟"، فأجابوه: "انزل دلوقتي!"، فقام رضوان بحجز طائرة من دمشق إلى القاهرة، وصل صباح 28 يناير إلى المدينة، كان ذلك يوم الغضب. بعدها بساعات قليلة، انقطعت كافة الاتصالات عن القاهرة، وقضى كل أيام الثورة الأولى حتى تنحي حسني مبارك في الميادين.

 بعدها، اضطر إلى العودة للعمل في الشركة في دمشق. كانت عودته مع اندلاع الثورة الليبيّة، فانضم إلى مظاهرة داعمة لها وضد معمر القذافي، عن هذا يقول: "تظاهرنا أمام السفارة الليبية، وكل الهتافات التي كانت ضد القذافي بإمكانها أن تنطبق على النظام الحاكم في سورية". فيما بعد، اندلعت الثورة السوريّة، فانضم رضوان إلى أول مظاهرة كانت في الجامع الأموي، كان ذلك يوم الجمعة، حيث ألقت الشرطة القبض عليه، "برأيي، لم يعرفوا من أكون، كان فوضى وكانوا مرتبكين. رأوا أن شخصًا يحمل سمارت فون، وأنا شبه متأكد أنهم اعتقلوني لأني كنت أحمل سمارت فون. طلبوا مني الهويّة، قلت لهم إني لا أحمل هويّة، فأخرجت جواز السفر، وكان ردهم الفوريّ: مصريّ! طيب تعال معانا! أخذوني إلى مكتب في إدارة الجامع الأمويّ مع 15 معتقلًا آخر، سألوني ماذا أفعل هنا، قلت لهم إني جئت لأصلي في جامع الأموي وإني سأعود إلى مصر مطلع نيسان/ إبريل 2011، وكنت بالفعل قد اشتريت تذكرة طائرة عودة من قبل، لكن لم يساعدني ذلك"، يقول رضوان.

نقلوا المعتقلين إلى المعتقل، وهناك قضى رضوان مدة 8 أيام. "وفقًا لتقارير حقوق الإنسان، تم تعذيبي"، يقول رضوان. ويتابع: "بداية، طلبوا مني أن أعترف بأني ذهبت إلى إسرائيل وبأني عميل، وظهرت على التلفزيون السوريّ وقلت بأن الموساد مسؤول عن دخولي إلى سورية، ودخلت عن طريق الأردن وذهبت قبلها إلى القدس ودفعوا لي نقودًا، وكان قد بُثّ هذا الشريط على مدار 24 ساعة عبر التلفزيون السوريّ، واستخدموني للعب على سيناريو الأجندات الخارجيّة. وكانوا قد هددوني بالكهرباء إن لم أفعل ذلك. وبعد مراحل الضرب، كنت سأصل إلى الكهرباء، وخلال فترة الاعتقال، كنت أستمع إلى أصوات الناس التي تُعذب بالكهرباء".

بعد بثّ الشريط عبر التلفزيون السّوريّ، عُرف خبر اعتقال رضوان من قبل أصدقائه والنشطاء المصريّين، الذين شنّوا حملة إعلاميّة بدأت عبر وسائل الإعلام الاجتماعيّ لإطلاق سراحه، من خلال فيسبوك وتويتر والمدونات ومن ثم وصلت إلى الصحافة الرسميّة، عن هذا يقول: "عرفت كل هذه التفاصيل بعد إطلاق سراحي، حيث نُظمت أيضًا مظاهرات تضامن في لندن وبيروت والقاهرة، ومن ثم عرفت أن هنالك جهات رسميّة مصريّة وعربيّة تدخلت عن طريق ناس أعرفهم كما الأهل، وتم تشكيل ضغط لإخراجي، فخرجت بعد 8 أيام، قضيت ليلة في الشام وبعدها سافرت مباشرة إلى القاهرة".

برلين والكشري المصريّ

قبل أن ينقل محمد رضوان حياته إلى برلين، كان منذ العام 2013 وبعد أن أسّس شركة "آيس كايرو"، يشارك مع مجموعة من المبادرين الشباب المصريّين في مؤتمر "ريبوبليكا للإنترنت" في برلين على مدار 3 سنوات، ومن ثم قرر الاستقرار في برلين عام 2015. عن هذا يقول: "عندما وصلت، كنت جاي أشوف الدنيا فيها إيه، توافق ذلك مع موجة قدوم اللاجئين السّوريّين، شعرت أن برلين تتغيّر إيجابيًا وأنها ستكون ملتقى عربيًّا يضم ثقافات عربيّة عديدة، وأحبّ هذه الأجواء كثيرًا، ومن الصعب أن نجد هذا التجمع اليوم في بلادنا، سواء في القاهرة أو دبي أو بيروت أو غيرها، لا يمكننا للأسف أن نجد هذا الخليط من الناس مع الحريات التي تحتاجها الناس وغير المتوفّرة في منطقتنا، شعرت أن المرحلة القادمة لبرلين ستجمع بين النشاط الثقافيّ، والسياسيّ والاجتماعيّ، وبأنه بمثابة توقيت تاريخيّ للمدينة".

فور انتقاله إلى برلين، عمل في مجال الاستشارة مع منظمات أهليّة، وأدرك عندها أن "جوّ المنظمات مش ها ينفع معايا"، حسب تعبير رضوان. في تلك الفترة، التقى بصديق من مصر، وخلال حديثهما عن المشاريع، أخبره رضوان أن صديقه في أميركا اقترح عليه أن يذهب إلى هناك ويؤسس عربة كشري، فأخبره رضوان أنه سعيد أكثر في برلين مما كان عليه في أميركا، ولذلك لربما سيعمل على إنشاء عربة كشري في المدينة، وبدأ بالعمل على الفكرة مع بداية 2016. بالتزامن مع العمل على خطة تأسيس المشروع، بدأ رضوان بالمشاركة في ما يُسمى "بوب أب كيتشن"، وهي عبارة عن بارات تضم مطابخ، لكنها لا تقدّم الطعام، بينما تستضيف كلّ مرة مطبخاً من مطابخ العالم، وقد شارك رضوان في أحد هذه المطابخ بطبخه وتقديمه للكشري، فحظيت الفكرة بانتشار ونجاح كبيرين، "وجدت أن الأصدقاء في القاهرة يدعونني على حدث الفيسبوك الذي أنشأته للمطبخ"، يقول رضوان ويضحك.

أخذ مسار التأسيس لمشروع عربة الكشري حوالى 6 شهور من الانتظار حتى حصل رضوان على تصريح عمل، وقام بتشغيل عربة "كايرو كشري" لأوّل مرة في أيار/ مايو 2017. لم يرغب عند البداية أن يذهب إلى حيّ من أحياء برلين ويبيع الكشري، إنما أراد دمج الكشري مع نشاطات ثقافيّة وفنيّة، وبالأساس موسيقى. فمن خلال شبكة علاقاته، تعاون بداية مع "المساحة – برلين"، وهي مساحة ثقافيّة وفنيّة تمنح الفنانين والموسيقيّين والفاعلين الثقافيّين في برلين فرصة عرض وتقديم أعمالهم للجمهور، وأقام أوّل نشاط لـ "كايرو كشري" هناك. عن هذا يقول رضوان: "أكل لوحده مش ها يكفي، وستكون هذه فرصة لدعوة موسيقيّين وإقامة نشاطات ثقافيّة وفنيّة حول الأكل. فقد جئت إلى برلين لهذا السبب، لتأسيس فضاء ثقافيّ عربيّ، وعندما وصلت في 2015، لم تكن لدي شبكة علاقات قويّة، اليوم توفّر هذا، خاصّة أن هذه المشاريع لا تعتمد على مدخول ماديّ عالٍ، الأموال ليست كلّ شيء، إحنا منعمل حاجة حلوة، صعبة شويّة، مفيهاش فلوس كفاية، لكن منعمل حاجة حلوة، والكشري هو وسيلة لتحقيق ذلك".

حضور الثقافة المصريّة

تحضر الثقافات العربيّة في برلين، سواءً بالحقول الفنيّة المتنوعة أو بالثقافة بمفهومها الأوسع، بما في ذلك ثقافات الأكل. لكن الحضور الأقوى لثقافات الأكل العربيّ هو لبلاد الشّام، فالمدينة مليئة بالمطاعم اللبنانيّة، والفلسطينيّة ومؤخرًا السّوريّة، أمّا المطبخ المصريّ فهو غائب نوعًا ما. تأسيس مشروع "كايرو كشري"، بشكله المتحرّك والمتنقل في شوارع وأحياء برلين، يعيد الاعتبار لهذا الطبق الأساسيّ في الحياة اليوميّة المصريّة، كما أن التوجه الثقافيّ الذي يعمل عليه رضوان، بحيث لا يقتصر المشروع على الأكل فقط، يفتح شباكًا على الثقافة المصريّة وكذلك على المصريّين/ات المقيمين/ات في المدينة.

عن هذا يقول رضوان: "في العام 2013، كانت هنالك موجة من اللاجئين المصريّين الذين وصلوا إلى ألمانيا عن طريق البحر، وخلال هذا العام، زاد عدد المصريّين، بالأساس المهاجرين، بالطبع الأرقام قليلة مقارنة بعدد اللاجئين السّوريّين. ومعظم المصريّين الذين وصلوا إلى هنا، لم يكونوا سياسيّين، إنما أفراد فقدوا الأمل في بلدهم وجاؤوا للبحث عن فرص جديدة. مع الوقت، وجدت أن عدد المصريّين يزداد، لكن لا شيء يجمعهم مقارنة باللبنانيّين والفلسطينيّين المقيمين منذ سنوات في المدينة ومطابخهم حاضرة، بنفس الوقت، الكشري كطعام مصريّ غير منتشر في العالم أبدًا، هو حاضر في مصر فقط، من النادر أن تجدي كشري حتى في الأردن مع الأرقام الكبيرة للمصريّين. وعندما قررت العمل على عربة كشريّ، وهي تختلف عن عربة الأكل العاديّة الموجودة منذ قرون، اعتمد المشروع أيضًا على وجود شخصيّة تقف في عربة/ سيارة الكشري، تحمل قصّة أو قصصاً، ورأيت أن هذه فرصة لكسر الصور النمطيّة للمصريّ والعربيّ تجاه أنفسنا أوّلًا، للصورة التقليديّة، كما للصورة التي يقدّمها الإعلام عن العرب في المهجر".

يعرّف رضوان نفسه على أنّه سياسيّ، فاختياره للمشاريع التي يعمل عليها يحمل بعدًا سياسيًا واجتماعيًا فيها، يرى أن الطبقيّة في مصر تحضر أكثر من معظم الدول العربيّة، وهي موجودة أيضًا في موضوع الكشري، "عندما يعرف بعض الناس قصتي، أسمع تعليقات  حول أني من غير المفترض أن أبيع كشري، ده متعلّم مش لازم يعمل كشري!، أردت أن أكسر الصّورة هذه أيضًا، وأن أكون نموذجًا لكل من يريد أن يمشي خارج الطريق المرسوم له في حياته، لم أختر أن أكسب النقود بقدر ما أردت أن أفعل ما أحبّ في حياتي، تركت الهندسة لأسافر وأرى الحياة وأعيش تجاربها، واليوم أعمل كشري"، يقول رضوان.

لم يختبر محمد رضوان الطبخ قبل تأسيسه لمشروع الكشري، يرى أن من المهم على الإنسان أن يجرب أشياء لم يكن لديه خبرة فيها من قبل، وسوف يتعلّم من التجربة. ويتابع: "لن أمارس مهنة الهندسة على مدار 30 عامًا من حياتي، ويكون هذا الشيء الوحيد الذي أعرفه، لم أكن صحافيًا وأصبحت كذلك خلال فترة من حياتي، أحبّ أن أغيّر مجالات عملي، هذه هي الحياة. حسب رأيي الاجتماعيّ والسياسيّ، ترغب الرأسماليّة بأن تضعنا في مكان واحد كي لا نفهم كل ما هو خارج حقولنا المهنيّة والمعرفيّة، أن نكون كالروبوتات، ويريدوننا حين يشنون حروبهم، أن نقول لهم إننا لا نفهم بها وإننا نبحث عن مصادر رزقنا فقط. كلا، من المفروض أن أجرب وأتعلّم وأعرف خبرات متنوعة".

يحتوي "كايرو كشري" على أربعة أصناف من الكشري، الأوّل تقليديّ، أما الأصناف الأخرى فتحمل الأطباق أسماء مدن عاشها رضوان أو يحبّها من خلال زيارتها ومعرفته به؛ كشري كازابلانكا، كشري كاليفورنيا، كشري كالاماتا، "عشت في طنجة فترة ما، وأعجبني المطبخ المغربيّ، وكذلك عشت في كاليفورنيا قليلًا، أما اليونان فزرتها 8 مرات خلال حياتي، وأنا معجب بتاريخها وثقافتها وقربها من مصر، كما أني عندما كنت طفلًا، كانت أمّي تعطيني زيتونَ كالاماتا بدلًا من البونبون"، يقول رضوان ويضحك.

 رأى رضوان أن الاعتماد على بيع الكشري التقليديّ في برلين لن يكون بمثابة محاولة ناجحة، وبنفس الوقت، لا يريد أن يبيع إلى جانب الكشري أطباقاً مصريّة مختلفة، كالفول والطعميّة على سبيل المثال، أراد أن يسلط الضوء على الكشري فقط، من جهة أن يبيع التقليديّ ومن جهة أخرى أن يعمل على أصناف جديدة ترتكز على الكشري، "الكشري في مصر لم يتغيّر منذ سنوات، وأنا على علم بأن المصريّين لن تعجبهم أصناف الكشري الأخرى، لكني خلقت حوارًا حول الفكرة، وأدركت أن الألمان سيحبون الأطباق الثانية، لكن كله قيد التجريب"، يقول رضوان.

في إجابة عن السّؤال حول ارتباطه بمصر اليوم، يجيب رضوان مبتسمًا: "غير إني مصري؟"، ويتابع: "أهلي وكل أصدقائي هناك. بالإضافة إلى أن الثورة ووجودنا في الميادين عام 2011، أمرٌ أثّر فينا جميعاً لمدى الحياة. وأنا شخص سياسيّ، وسأواصل متابعة الأخبار في مصر لكن مع نشاط أقل. واليوم، حياتي بقت كشري على طول. أعرف من أصدقاء في مصر، أن اسم (كايرو كشري) مسموع في مصر أكثر مما هو في برلين. يأتي المصريّون زيارة إلى المدينة ويبحثون عن كايرو كشري، جاي من مصر عنده كلّ الكشري هناك، يجي يدوّر على كايرو كشري ليه؟"، يختم رضوان حديثه مبتسمًا. 

المساهمون